المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٩٨ - فصل ٥ فى أنّ العقل الهيولانى بالقوّة عالم عقلى، و أنّه كيف يعقل المعقولات المحضة و المحسوسات التي هى معقولة بالقوّة، و أنّها إنّما تخرج الى الفعل بالعقل الفعّال، و أنّها أوّلا تكون عقلا بالملكة ثم بالفعل ثم عقلا مستفادا
فإمّا لأنّه فى نفسه ضعيف الوجود خسيسه شبيه بالعدم، و هذا مثل الهيولى، و الحركة، و الزمان، و اللانهاية؛ و إمّا لأنّه شديد الظهور فيبهر القوّة، كالضوء القوى للابصار، و هذا مثل مبدأ الكلّ و الامور العقليّة الصرفة، فانّ كون النفس الانسانيّة فى المادّة تورثها ضعفا عن تصوّر هذه الظاهرات جدّا فى الطبيعة فيوشك أنّها اذا تجرّدت طالعتها حقّ المطالعة و استكملت تشبّهها بالعالم العقلىّ الذي هو صورة الكل عند البارى تعالى و فى علمه السابق لكلّ وجود بالذات لا بالزمان.
فهذه القوّة التي تسمّى هيولانيا هو بالقوّة عالم عقلىّ من شانه أن يتشبّه بالمبدإ الأوّل. و لمّا كان كلّ ما يخرج من القوّة إلى الفعل يخرج بسبب مفيد له ذلك الفعل، و ينتقش صورة فى شمع عمّا ليس له تلك الصورة و يفيد شىء كمالا فوق الذي له، فيجب أن تخرج هذه القوّة إلى الفعل بشيء من العقول المفارقة المذكورة، إمّا كلّها، و إمّا الأقرب اليها فى المرتبة، و هو العقل الفعّال، و كلّ واحد من العقول المفارقة عقل فعّال. لكنّ الأقرب منّا عقل فعّال بالقياس الينا.
و معنى كونه فعّالا أنّه فى نفسه عقل بالفعل، لا أنّ فيه شيئا هو قابل للصورة المعقولة، كما هو عندنا، و شيئا هو كمال، بل ذاته صورة عقليّة قائمة بنفسها، و ليس فيها شىء ممّا هو بالقوّة و ممّا هو مادّة البتة. فهى عقل و تعقل ذاتها، لأنّ ذاتها أحد الموجودات. فهى عقل لذاتها و معقول، لأنّها موجودة من الموجودات المفارقة للمادّة. فلا يفارق كونها عقلا كونها معقولا، و لا كونها هذا العقل كونها هذا المعقول. فامّا عقولنا فيفترق فيها ذلك، لانّ فيها ما بالقوّة. فهذا أحد معانى كونه عقلا فعّالا.
و هو أيضا عقل فعّال، بسبب فعله فى أنفسنا و إخراجه إيّاها عن القوّة إلى الفعل. و قياس العقل الفعّال إلى انفسنا قياس الشمس إلى أبصارنا، و قياس ما يستفاد منه قياس الضوء المخرج للحسّ بالقوّة إلى الفعل و المحسوس بالقوّة إلى الفعل.