المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٩٥ - فصل ٣ فى تكوين الحيوانات و قوى النفس الحيوانيّة
تنفذ من القلب فى الشريان الواحد إلى الدماغ قوّة احساس و حركة و إلى الكبد إذا تخلو قوّة التغذية.
فلا يمنع أن تنفذ من مبدأ واحد قوى مختلفة فى آلة واحدة ثمّ تنقسم فى الأعضاء فتتفرق، فتخصّ كلّ عضو منها قوّة على حدّة، فيكون الشريان ينفذ فيه ما دام واحدا الروح حاملا لمبادى القوى كلّها.
ثمّ إذا انقسم فارتفع شعبة منه إلى الدماغ نفذ فيها قوّة، و إذا انحطت شعبة إلى الكبد نفذ فيها قوّة اخرى، فانّ شعب العصب هذه أحوالها. و أيضا فانّ شعب الأوردة هذه أحوالها، فانّ لكلّ عضو قوّة غاذية مخالفة لما فى العضو الآخر فى النوع. و إنّما مبدأها كلّها الكبد بعد القلب و آلتها الوريد، و من عرف التشريح لم يستبعد هذا.
فالقلب مبدأ للقوى كلّها، و ذلك لأنّ النفس واحد بالذات و إنّما تحلّ هذا القلب. ثمّ يكون مبدءا لقوى كثيرة.
و بين البدن و بين القوى جرم لطيف حار، هو الحامل الأوّل لهذه القوى كلّها، و يسمّى الروح. و هو حادث، لامتزاج لطافة الأخلاط و بخاريّتها على نسبة محدودة، كما أنّ الأعضاء حادثة عن امتزاج كثافة هذه الأخلاط، و لو لا أنّ هذه القوى تنفذ بتوسّط جسم لما كانت السدد تمنع الحسّ و الحركة. و لو لا أنّ هذا الجسم شديد اللطافة لما نفذ فى شباك هذا العصب.
و هذا الروح ما دام فى القلب فيسمّى روحا حيوانيّا. ثمّ إذا حصل فى الدماغ و انفعل انفعالا ما سمّى روحا نفسانيّا. و مسكنه هناك فى تجاويف الدماغ و بطونه. ثمّ إذا حصل فى الكبد سمّى روحا طبيعيّا، و مسكنه بطون الأوردة.
و هذا الروح يحصل فى القلب على مزاحين، فى أكثر الحيوان. مزاج و نسبة حارّة يختصّ بالذكران، فحينئذ تفعل الطبيعة الآلات الذكوريّة؛ و مزاج و نسبة أقلّ حرارة يختصّ بالاناث، فحينئذ تفعل الطبيعة آلات الاناث.