المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٩٣ - فصل ٣ فى تكوين الحيوانات و قوى النفس الحيوانيّة
[فصل ٣] فى تكوين الحيوانات و قوى النفس الحيوانيّة
و إذا امتزج العناصر امتزاجا أكثر اعتدالا تهيّأت لقبول النفس الحيوانيّة، و ذلك بعد أن تستوفى درجة النفس النباتيّة. و النفس الحيوانيّة كمال أوّل لجسم طبيعى آلىّ من شأنه أن يحسّ و يتحرّك بالارادة.
و قوى هذه النفس تنقسم إلى مدركة و محرّكة. فالمدركة تنقسم إلى ظاهرة و باطنة. و مبدأ الحركة ينقسم إلى جالب للنافع، و هو الشهوة للّذيذ؛ و دافع للضارّ، و هو الغضب الشائق إلى الانتقام، و يتمّ فعلها بالتشويق و الاجماع.
و أمّا المدركات فالظاهرة منها هى الحواسّ الخمس فى الظاهر، و فوق الخمس بالحقيقة، لأنّ اللمس ليست قوّة واحدة، بل أربع قوى، كلّ يختصّ بمضادّة واحدة، فللحر و البرد حاكم، و للّين و الصلب حاكم، و لليابس و الرطب حاكم، و للخشن و الأملس حاكم. و لكن لمّا كانت هذه القوى فاشية معا فى آلة واحدة فى الظاهر ظنّت قوّة واحدة.
و أمّا فى الباطن فالقوى التي للحيوانات الكاملة خمس أو ستّ.
أوّلها قوّة الفنطاسيا، و تسمّى الحسّ المشترك، و هى التي يؤدّى إليها الحواسّ ما أحسّته. و هى الحاسّ بالحقيقة.
ثمّ القوّة الخياليّة، و هى التي تحفظ ما أدّته الحواسّ من الصور المحسوسة. و الفرق بينها و بين الاولى أنّ الأولى قوّة قابلة و الخياليّة قوّة حافظة، و ليست القوّة القابلة و الحافظة واحدة.
و تتلو القوّة الخياليّة قوّة اخرى إذا كانت فى الناس و استعملها العقل سميّت القوّة المفكّرة، و إذا كانت فى الحيوانات او فى الناس و استعملها الوهم سمّيت القوّة المتخيّلة. و الفرق بينها و بين الخيال أنّ الخيال لا يكون ما فيه إلّا مأخوذا عن الحسّ، و المتخيّلة قد تركّب و تفصّل و تحدث من الصور ما لم يحسّ