المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٧٣ - فصل ٥٢ فى تعريف جرم الكلّ و نفس الكلّ و أنّها بالقوّة من وجه و عقل الكلّ و انّه بالفعل دائما
كان بسبب عارض فى بعض الأجزاء او فى الكلّ كانت الذوات متّفقة فى الشرف و الدناءة، و مختلفة بلواحق و عوارض يشرف بعضها على بعض. و كلامنا ليس فى هذا النوع من التفاوت، بل فى ما كان ذاتيّا.
و إذا كان التفاوت فى جواهرها، و جواهرها معان، كان التّفاوت بمعان جوهريّة، و هذا بعينه يوجب مباينة الأنواع. فقول هؤلاء «إنّها متماثلة فى النوع و مختلفة فى العلوّ و الدنوّ» متناقض. بل الحقّ يكون لكلّ واحد منها نوع على حدة كلىّ عقلىّ و مثال عقلىّ لوجود مفرد مخصوص.
و ليست إذا كانت هذه الموجودات متّفقة فى أنّها لا أجسام، يوجب ذلك اتّفاقها فى النوع، و إن اتّفقت، بعد كونها لا أجسام، فى أنّها عقول و مفارقة للأجسام. كما انّ الأعراض متفقة أيضا فى أنّها لا أجسام، و لا يوجب ذلك اتّفاقها فى النوع، و إن اتفقت، بعد أنّها لا أجسام، فى أنّها محسوسة و غير مفارقة. بل كما أنّ الموجودات الجسمانية الغير المفارقة مختلفة الأنواع، كذلك الموجودات الغير الجسمانيّة المفارقة يجوز أن تكون مختلفة الأنواع، و ليست العقليّة لها إلّا أنّها مفارقة، كما المحسوسة أنّها مواصلة.
[فيجب أن تعلم أنّ المبدأ الأول و إن كان عقلا فلا شريك له فى نوعه.
و كذلك لكلّ واحد من المبادى المفارقة بعده] و يجب أن تعلم أنّ الجوهريّة و العقليّة ليس يقال عليها على سبيل الجنس، بل على سبيل التقدّم و التأخّر، و قد شرح الفرق بين الأمرين فى كتب المنطق؛ و أن تعلم أنّه ليس يوجب كون الشىء غير مقول عليها قول الجنس أن لا يكون الجوهر جنسا لغيرها، فانّ الشىء قد يكون جنسا بالقياس إلى أشياء و غير جنس بالقياس الى أشياء اخر.
[فصل ٥٢] فى تعريف جرم الكلّ و نفس الكلّ و أنّها بالقوّة من وجه و عقل الكلّ و انّه بالفعل دائما