المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٦٤ - فصل ٤٦ فى إبطال رأى من ظنّ أنّ اختلاف حركات السّماء لأجل ما تحت السّماء
و إنّما يقصد بالواجب شىء يكون القصد مهيّئا له و يفيد وجوده شىء آخر، مثل الطبيب للصحّة. فالطبيب لا يعطى الصحّة، بل يهيّئ لها المادّة و الآلة، و إنّما يفيد الصحّة مبدأ أجلّ من الطبيب، و هو الذي يعطى المادّة جميع صورها و ذاته أشرف من المادّة. و ربما كان القاصد مخطئا فى قصده اذا قصد ما ليس أشرف من القصد، فلا يكون القصد لاجله فى الطبع بل بالخطإ.
و لأنّ هذا البيان يحتاج إلى تطويل و تحقيق فيه، و فيه شبهة و شكوك لا تنحلّ إلّا بالكلام المشبع. فلنعدل إلى الطريق الأوضح فنقول: إنّ كلّ قصد فله مقصود، و العقلىّ منه هو الذي يكون وجود المقصود عن القاصد أولى بالقاصد من لا وجوده عنه، و إلّا فهو هذر.
و الشىء الذي هو أولى بالشيء فانّه يفيده كمالا ما؛ ان كان بالحقيقة فحقيقيّا و ان كان بالظنّ فظنيّا. مثل استحقاق المدح، و ظهور القدرة، و بقاء الذكر، فهذه و ما اشبهها كمالات ظنيّة. و الربح، و السلامة، و رضا اللّه، و حسن معاد الآخرة. و هذه و ما اشبهها كمالات حقيقيّة لا تتمّ بالقاصد وحده.
فاذن كلّ قصد ليس عبثا فانّه يفيد كمالا ما لقاصده، لو لم يقصده لم يكن ذلك الكمال. و العبث أيضا يشبه أن يكون كذلك، فانّ فيه لذة او راحة او غير ذلك.
و محال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلّة يفيد العلّة كمالا لم يكن. و انّ المواضع التي يظنّ فيها أنّ المعلول أفاد علّته كمالا مواضع كاذبة او محرّفة؛ و قد بيّنا ذلك و أوضحناه و حلّلنا الشكوك فيه.
فان قال قائل: إنّ الخيريّة توجب هذا، فانّ الخير يفيد الخير.
قيل له: أمّا أوّلا فهذا موجبه النقص و طلب الكمال، و النقص و طلب الكمال لما هو عدم شريّة، ليس خيريّة.
و أمّا ثانيا فانّ الخيريّة لا تخلو: إمّا ان تكون صحيحة موجودة دون هذا القصد، و لا مدخل لوجود هذا القصد فى وجودها، فيكون كون هذا القصد