المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٦٢ - فصل ٤٦ فى إبطال رأى من ظنّ أنّ اختلاف حركات السّماء لأجل ما تحت السّماء
بحسب اختلاف الرأيين، و كذلك هلمّ جرا.
فهؤلاء يرون أنّ محرّك الكلّ شىء واحد، و لكلّ كرة بعد ذلك محرّك خاصّ. و الفيلسوف يضع عدد الكرات المتحرّكة على ما كان ظهر فى زمانه، و يتبع عددها عدد المبادئ المفارقة.
و الاسكندر يصرّح و يقول فى رسالته فى «مبادى الكلّ»: إنّ محرّك جملة السماء واحد، لا يجوز أن يكون عددا كثيرا، و إنّ لكل كرة محرّكا و مشوقا يخصّانه.
و ثامسطيوس يصرّح و يقول ما هذا معناه: إنّ الأشبه و الأحقّ وجود مبدأ حركة خاصّة لكلّ فلك على أنّه فيه، و وجود مبدأ حركة خاصة له على أنّه معشوق مفارق.
ثمّ القياس يوجب هذا، فانّه قد صحّ لنا بصناعة «المجسطى» أنّ حركات الكرات السماويّة كثيرة و مختلفة فى الجهة و فى السرعة و البطء، فيجب أن يكون لكلّ حركة محرّك غير الذي للآخر و مشوّق غير الذي للآخر، و إلّا لما اختلفت الجهات و لما اختلفت السرعة و البطء؛ و قد بينّا أنّ هذه المشوّقات خيرات محضة مفارقة للمادّة. و إن كانت الحركات و الكرات كلّها تشترك فى الشوق إلى المبدأ الأوّل، فتشترك فى دوام الحركة و استدارتها.
[فصل ٤٦] فى إبطال رأى من ظنّ أنّ اختلاف حركات السّماء لأجل ما تحت السّماء
و لنحقّق هذا المعنى بزيادة تحقيق، فنقول: إنّ قوما لمّا سمعوا ظاهر قول الاسكندر إذ يقول: إنّ الاختلاف فى هذه الحركات و جهاتها يشبه أن يكون للعناية بالامور الكائنة الفاسدة الّتي تحت فلك القمر- و كانوا سمعوا أيضا و علموا بالقياس أنّ حركات السماوات لا يجوز أن تكون لأجل شىء غير ذواتها، و لا يجوز أن تكون لأجل معلولاتها- أرادوا أن يجمعوا بين المذهبين، فقالوا: إنّ نفس الحركة ليست لاجل ما تحت فلك القمر، و لكن للتشبّه بالخير المحض و الشوق إليه. و أمّا اختلاف الحركات كان ليختلف ما يكون من كلّ واحد منها فى عالم