المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٦١ - فصل ٤٥ فى أنّ لكلّ فلك جزئى محرّكا أوّلا مفارقا، قبل نفسه، يحرّك على أنّه معشوق، و أنّ المحرّك الأوّل للكلّ مبدأ لجميع ذلك
وضعه او أينه، فانّه ليس أن يكون على وضع او أين أولى بجوهره من وضع او اين آخر له فى حيّزه، فانّه ليس شىء من أجزاء مدار فلك او كوكب أولى بأن يكون ملاقيا له او لجزئه من جزء آخر. فمتى كان فى جزء بالفعل فهو فى جزء آخر بالقوّة، فقد عرض لجوهر الفلك ما بالقوّة من جهة وضعه و اينه.
و التشبّه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال يكون للشىء دائما، و لم يكن هذا ممكنا للجرم السماوىّ بالعدد، فحفظه بالنوع و التعاقب، فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال، و مبدؤها الشوق الى التشبّه بالخير الأقصى فى البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن. و مبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه، فعلى هذا النحو يحرّك العلّة الأولى جرم السماء.
و قد اتضح لك أنّ الفيلسوف إذا قال: إنّ الفلك متحرك بطبعه فما ذا يعنى، او قال: إنّه متحرك بالنفس فما ذا يعنى، او قال: متحرك بقوّة غير متناهية تحرّك كما يحرّك المعشوق فما ذا يعنى، و أنّه ليس فى أقواله تناقض و لا اختلاف.
[فصل ٤٥] فى أنّ لكلّ فلك جزئى محرّكا أوّلا مفارقا، قبل نفسه، يحرّك على أنّه معشوق، و أنّ المحرّك الأوّل للكلّ مبدأ لجميع ذلك
ثم أنت تعلم أنّ جوهر هذا الخير المعشوق واحد، و لا يمكن أن يكون هذا المحرك الذي لجملة السماء فوق واحد؛ و إن كان لكلّ كرة من كرات السماء محرّك قريب يخصّه، و مشوق معشوق يخصّه، على ما يراه الفيلسوف و الاسكندر و ثامسطيوس و علماء المشّائين، فانّهم إنّما ينفون الكثرة عن محرّك الكلّ، و يثبتون الكثرة للمحرّكات المفارقة و غير المفارقة، التي تخصّ واحدا واحدا منها.
فيجعلون أوّل المفارقات الخاصّة محرّك الكرة الاولى؛ و هو عند من تقدّم «بطلميوس» كرة الثوابت، و عند من اقتدى بالعلوم التي ظهرت لبطلميوس كرة خارجة عنها محيطة بها غير مكوكبة؛ و بعد ذلك محرّك الكرة التي تلى الاولى