المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٥٩ - فصل ٤٤ فى أنّ المحرّك الاوّل كيف يحرّك، و أنّه يحرّك على سبيل الشوق الى الاقتداء بامره لا إلى اكتساب المشوق بالفعل
للحركة بالارادة، فقد عرفنا حال تلك القوّة؛ فبقى أن يكون تحريكه على نحو آخر. و لأنّه قوّة غير متناهية فلا يجوز أن يحرّك بأن يتحرّك بوجه من الوجوه، و الّا فلها مادّة بوجه من الوجوه قابلة للتغيّر، و هى جسمانيّة؛ فتحريكها كما يحرّك المعشوق من غير أن يتحرك. فهى قوّة خير بالذات، و أزل بالذات، معشوق بالذات. ينال منها الكلّ الأزليّة و البقاء تشبها به.
و لنجعل لهذا الفرض مبدأ آخر فنقول: قد صحّ أنّ حركة الفلك إراديّة و حيوانيّة؛ و كلّ حركة غير قسريّة فهى إلى أمر ما و تشوق أمر ما، حتى الطبيعة أيضا فان معشوق الطبيعة أمر طبيعىّ، و هو الكمال الذاتىّ للجسم، إمّا فى صورته، و إمّا فى أينه و وضعه.
و معشوق الارادة أمر إراديّ، إمّا إرادة لمطلوب حسّىّ، كاللذّة، او وهمىّ خيالىّ، كالغلبة؛ او ظنّى، و هو الخير المظنون؛ او عقلى، و هو الخير الحقيقىّ.
فطالب اللّذة هو الشهوة، و طالب الغلبة هو الغضب، و طالب الخير المظنون هو الظنّ، و طالب الخير الحقيقىّ هو العقل، و يسمى هذا الطلب اختيارا. و الشهوة و الغضب غير ملائم لجوهر الجسم الذي لا يتغيّر و لا ينفعل، فانّه لا يستحيل إلى حال غير ملائمة فيرجع إلى حال ملائمة فيلتذّ او ينتقم من مخيّل له فيغضب، و على أنّ كلّ حركة إلى لذيذ او غلبة فهى متناهية؛ و أيضا فانّ اكثر المظنون لا يبقى مظنونا سرمدا.
فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا و ارادة لخير حقيقىّ. فلا يخلو ذلك الخير: إمّا أن يكون ممّا ينال بالحركة فيتوصل إليه، او يكون خيرا ليس جوهره ممّا ينال بوجه بل هو مباين.
و لا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرّك، فيناله بالحركة، و إلّا لانقطعت الحركة. و لا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا، كما من شائنا أن نجود لنمدح، و نحسن الأفعال ليحدث لنا