المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٥١ - فصل ٣٨ فى أنّ الحركة الاولى ليست مستقيمة بل مستديرة
«ج» و «د» إن كان كلّها قسريّة كان لها حركات اخرى طبيعيّة، فقد بيّنا ذلك فى «الطبيعيّات»، و بيّنا أيضا أنّ القسريّة لا تستولى على الطبيعيّة، و أنّها تكون بعدها.
فاذا تأمّلت الآن وجدت الحركات الطبيعيّة تمنع هذا النظام و تقطعه، و لا يلحق معها العائد بالأوّل. و إن كانت هذه الحركات كلّها او بعضها طبيعيّا، فتسكن لا محالة عند غاياتها، و تقف، و لا يكون لها عودات مختلفة إلى جهات مختلفة بها يمكن أن يقطع الدور؛ و هذا يظهر بأدنى تأمّل.
و إن كانت هذه الحركات كلّها او بعضها إراديّة، فان كانت عن ارادة لا تتبدّل كان كلّ واحد منها او بعضها متصلا بالعدد لا منقطعا. و إن كانت الارادة غير ثابتة، بل يجوز فيها الاختلاف و التغيّر لم يجب فى هذه الحركة الدوام على نظمها، فانقطع وقتا مّا تشافعها و تتاليها، فقد بان و صح أنّ هذه الحركة واحدة بالاتّصال.
[فصل ٣٨] فى أنّ الحركة الاولى ليست مستقيمة بل مستديرة
فنقول: إنّه لا يجوز أن تكون مستقيمة و لا مركّبة من مستقيمات ذوات زوايا، بل و لا من قسىّ ذوات زوايا.
أمّا أوّلا فلأنّ مثل هذه الحركة لا يجوز أن تكون قسريّة، بل تكون طبيعيّة.
فان كانت مستقيمة طبيعيّة وجب أن تطلب جهة فتسكن فيها.
و أمّا ثانيا فانّ الحركة المستقيمة لا يمكن أن تذهب فى جهتها إلى غير النهاية، فانّه قد بيّن فى الطبيعيّات أنّ أبعاد الكلّ محدودة. و لا أيضا يمكن أن يتّصل حركتان على زاوية البتة، و لا على خطّ واحد. و يجب أن يكون البرهان عليه هكذا، نقول: إذا افترض عند الزاوية و طرف الخطّ للمسافة حدّ بالفعل، فانّ الجسم المتحرّك يوصف بأنّه قد وصل الى الحدّ بالفعل. و أيضا فانّ القوّة المحركة إلى ما هناك توصف بأنّها موصلة بالفعل. ثمّ هذا ليس يبقى عند حركة المتحرّك إلى جهة اخرى، بل يزول وصف الجسم بأنّه حاصل فى ذلك الحدّ،