المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٥ - فصل ٥ فى أنّه لا يجوز أن يكون اثنان يحدث منهما واجب وجود واحد، و لا كلّ واحد منهما واجب الوجود بالآخر، و لا فى واجب الوجود كثرة بوجه من الوجوه
شىء آخر يقرن به أقدم من ذاته، و ليس ذات أحدهما أقدم من ذات الآخر على ما وصفنا؛ فلهما إذا علل خارجة عنهما أقدم منهما. فليس إذا وجوب وجود كلّ واحد منهما مستفادا من الآخر، بل من العلّة الخارجة التي أوقعت العلاقة بينهما.
و أيضا فانّ ما يجب وجوده بغيره فوجوده متوقّف على وجود ذلك الغير و متأخّر عنه بالذات. ثمّ من المستحيل أن تتوقّف ذات فى أن توجد على ذات توجد بها، فكأنّها متوقّفة فى الوجود على وجود نفسها. فان كان وجود نفسها يكون لها بذاتها فهى غنيّة عن الغير، و إن كان لا يكون حتّى يكون غير لا يكون إلّا بعد وجودها، فوجودها متوقّف على أمر بعد وجودها بالذات، فوجودها محال.
و نقول أيضا: إنّ واجب الوجود لا يجوز أن يكون لذاته مباد تجتمع فيتقوم بها واجب الوجود، لا أجزاء كميّة و لا أجزاء حدّ و قول، سواء كانت كالمادّة و الصورة او كانت على وجه آخر، بأن يكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه يدلّ كلّ واحد منهما على شىء هو فى الوجود غير الآخر بذاته. و ذلك لأنّ كلّ ما هذه صفته فذات كلّ جزء منه ليس هو ذات الآخر و لا ذات المجتمع، فامّا أن يصحّ لكلّ واحد منهما وجود مفرد و لا يصحّ للمجتمع وجود دونها فلا يكون المجتمع واجب الوجود؛ او يصحّ ذلك لبعضها، و لكنّه لا يصحّ للمجتمع وجود دونه؛ فما لم يصحّ له من المجتمع و الأجزاء الاخرى فليس بواجب الوجود، بل واجب الوجود هو الذي يصحّ له.
و إن كان لا تصحّ لتلك الأجزاء مفارقة الجملة فى الوجود، و لا للجملة مفارقة الاجزاء و تعلّق وجود كلّ واحد بالآخر، و ليس واحد بالذات أقدم، فليس شىء منها بواجب الوجود؛ فقد أوضحنا هنا على أنّ الأجزاء بالذات أقدم من الكلّ، فتكون العلّة الموجبة للوجود توجب الأجزاء أوّلا، ثمّ الكلّ، فلا يكون شىء منها واجب الوجود.
و ليس يمكننا أن نقول: إنّ الكلّ أقدم بالذات من الأجزاء، فهو إمّا متأخّر،