المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٣٩ - فصل ٢٧ فى اثبات دوام الحركة بقول مجمل
كان فلم يجز أن يحدث كائن البتة. فان حدث أمر لم يكن فلا يخلو: إمّا أن يكون حدوثه على سبيل ما يحدث دفعة لا لقرب من علّة و بعد، او يكون حدوثه على سبيل ما يحدث لقرب علّته او بعدها.
فامّا القسم الأوّل فيجب أن يكون حدوثه بحدوث العلّة غير متأخر عنها البتة، فانّه إن تأخّر او كانت العلّة غير حادثة لزم ما قلنا فى الأوّل من وجوب حادث غير العلّة، و كان ذلك الحادث هو العلّة القريبة، فان تمادى الأمر على هذه الجهة وجبت علل و حوادث دفعة غير متناهية معا. و هذا ممّا عرفنا الأصل الموصل إلى إبطاله، [فبقى ان لا تكون العلل الحادثة كلّها دفعة لا لقرب من علّة اولى او بعد] فبقى أنّ مبادى الكون تنتهي إلى قرب علل او بعدها، و ذلك بالحركة.
فاذا قد كان قبل الحركة حركة، و تلك الحركة أوصلت العلل إلى هذه الحركة فهما كالمتماسّين، و إلّا رجع الكلام إلى الرأس فى الزمان، و ذلك أنّه إن لم تتماسّه حركة كانت الحوادث غير المتناهية منها فى آن واحد، و استحال ذلك، بل وجب أن يكون واحد قد قرب فى ذلك الآن بعد بعد او بعد قرب، فيكون ذلك الآن نهاية حركة غير تلك تؤدّى إلى هذه. فيكون الحركة التي هى علّة قريبة لهذه الحركة مماسّة لها.
و المعنى فى هذه المماسّة مفهوم على أنّه لا يمكن أن يكون زمان بين حركتين، و لا حركة فيه، فانّه قد بان لنا فى الطبيعيّات أنّ الزمان تابع للحركة.
و لكنّ الاشتغال بهذا النحو من البيان يعرّفنا أن كان حركة، و لا يعرفنا أنّ تلك الحركة علّة لحدوث هذه الحركة.
فقد ظهر ظهورا واضحا أنّ الحركة لا تحدث بعد ما لم تكن إلّا بحادث، و ذلك الحادث لا يحدث إلّا بحركة مماسّة لهذه الحركة، و لا نبالي اىّ حادث كان ذلك الحادث، قصد من الفاعل، او إرادة، او علم، او آلة، او طبع، او حصول وقت