المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٣٧ - فصل ٢٥ فى إثبات المحرّك لكلّ حركة، و أنّه غير المتحرّك
حصل بالفعل و مستفيدا هو بالقوّة.
فاذا الجسم يجب أن يتحرك بشيء و يحرّك نفسه أن يتحرك لا عن غيره بشيء، فيكون المحرّك صورته و المتحرك جسميّته و مادّته، و هذه الصورة تسمّى القوّة.
و لنزد هذا شرحا فنقول: إنّ للحركة ذاتا حاملة و للحركة ذاتا فاعلة، إذ كلّ حادث فله علّة فاعلة؛ و الحامل و الفاعل لا يختلفان من جهة أنّ كلّ واحد منهما مبدا للشىء و محتاج إليه فى كونه، بل يختلفان بأنّ الفاعل يعطى الوجود مباينا لذاته، بالذات، لا بالعرض.
مثل الطبيب يعالج نفسه و يتعالج عن نفسه، و لكن يعالج بأنّه طبيب، و يتعالج بأنّه مريض، و الصحّة تحدث بالطبيب لا من جهة أنّه طبيب، بل فى المريض؛ فانّ الطبيب نفس، و المريض بدن، و لكن يقال بالعرض: إنّ الطبيب صحّ.
كذلك الحال فى كلّ علّة فاعلة و علّة حاملة، فانّهما إنّما يفترقان من جهة النسبة إلى الكائن. و الذي عنه الكون غير الكائن و مباين له، و الذي فيه الكون مقارن للكائن و حامل له.
و اذا كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون شىء واحد علّة لحدوث الحركة و علّة لقبول الحركة، فيكون شىء واحد فيه الحركة بالذات و ليست فيه الحركة إلّا بالعرض، و هذا محال. فقد اتضح و بان أنّ ذات المحرّك غير ذات المتحرّك، و إن كان جسم متحركا لا من شىء خارج عنه فظاهر أنّه إمّا أن يتحرك بتمامه عن تمامه، و هذا محال، فانّه يجعل الفاعل و المنفعل شيئا واحدا، و إمّا أن يتحرك بتمامه عن بعضه، و هذا يجعل ذلك البعض متحرّكا، و إمّا أن يتحرك بعضه عن تمامه، فيجعل هذا أيضا بعضا منه محرّكا و متحرّكا، ثمّ كيف يختلف التمام و البعض فى هذا المعنى البتة. و إمّا أن يتحرّك بعضه عن بعضه، فيفترق فيه المتحرّك و المحرّك.