المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١١٣ - فصل ١٤ فى الدلالة على السعادة الآخريّة الحقيقيّة و أنّها كيف تتم بالعقل النظرىّ و العملىّ معا، و أنّ الأخلاق الرديّة كيف تضادّها، و لم امرنا بالعدالة، و الاشارة إلى الشقاوة التي تقابلها
ضعيفة خفيّة خاملة لعلّة البدن، و إنّما يمكننا أن نتوصّل إلى هذه السعادة إذا فارقنا البدن على الحقيقة. و إنّما يكون مفارقتنا البدن على الحقيقة إذا فارقنا و ليس فينا هيئة بدنيّة ممّا يحصل على سبيل الاذعان، فانّا فى الدنيا لم نكن مستغرقى الأنفس فى الأبدان و كان البدن مع ذلك يعوقنا عن الشعور بلذّة الكمال الذي نكتسبه من غير مخالطة و لا ملابسة، بل بسبب الهيئات التي للنفس مع البدن و للاقبال الذي للنفس على البدن. فاذا فارقت النفس البدن و معها تلك الهيئات بأعيانها كانت كأنّها غير مفارقة، فهذه الهيئات تمنع النفس عن السعادة بعد البدن، و مع ذلك فيحدث نوع من الأذى عظيما، و ذلك لأنّ هذه الهيئات مضادّة لجوهر النفس غريبة، و كان إقبال النفس على البدن يشغل النفس عن الاحساس بمضادّتها. و الآن إذ زال ذلك الاقبال فيجب أن تحسّ بما يضادّها فتتأذى به أشدّ أذى.
و هذا نظير لمن به آفة او مرض و له شغل شاغل فيغفل عنه. فاذا فرغ عن ذلك أحسّ به، و لكن لأنّ هذه الهيئات غريبة فلا يبعد أن يكون ممّا يزول على الدهر. و يشبه أن تكون الشرائع جاءت بمثل ذا المعنى، فقيل: «إنّ المؤمن الفاسق لا يخلّد فى العذاب».
و أمّا النقص الذاتى للشاعر به فى الدنيا و الكاسب شوقا لنفسه إليه، ثم تارك الجهد فيه ليكتسب العقل بالفعل اكتسابا تامّا، و المعوّل على العصبيّة و الجحد: فهى الداء العياء. و الألم الكائن عنه بازاء اللذّة الكائنة عن مقابله.
و كما أنّ اللذة الآخريّة أجلّ من كلّ إحساس ملائم، من مزاج او التيام تفرّق اتصال، كذلك ذلك الألم أشدّ من كلّ إحساس بمناف من مزاج نارىّ او زمهريرىّ، او تفرّق اتّصال بكلّ ضرب و قطع. و نحن أيضا لا نتصور ذلك الألم للمعنى الذي قرّرناه. و كما أنّ الألم الحسّى هو الاحساس بالمنافى بالشوق و الحركة الى ضدّه كذلك هذا الألم.