المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١١٢ - فصل ١٤ فى الدلالة على السعادة الآخريّة الحقيقيّة و أنّها كيف تتم بالعقل النظرىّ و العملىّ معا، و أنّ الأخلاق الرديّة كيف تضادّها، و لم امرنا بالعدالة، و الاشارة إلى الشقاوة التي تقابلها
المحض و الخير المحض و الذي عنه يفيض كلّ خيريّة و كلّ نظام و كلّ لذّة، و كذلك ما يعدّ من الجواهر الروحانيّة الملكيّة التي هى معشوقات بذواتها.
و أمّا اكثر، فلانّ مدرك العقل هو الكلّ و مدرك الحسّ بعض من الكلّ، و الحس بعض الأشياء المحسوسة ينافيه و بعضها يلائمه، و العقل و كلّ مدرك معقول يلائمه و يكمل ذاته.
و امّا ألزم للذات، فلأن الصور المعقولة التي يعقلها العقل تصير ذاته، فيرى ذلك الجمال لذاته، و المدرك أيضا ذاته فالمدرك و المدرك راجع كلّ واحد منهما على الآخر، فوصول سبب الالذاد الى المستلذّ أشدّ و أوغل فى ذاته. و هذه اللذة شبيهة باللذّة التي للمبدإ الأوّل بذاته و بادراك ذاته، و للروحانييّن.
و معلوم أنّ اللذّة التي لها و السعادة فوق لذّة الحمار بالجماع و القضم.
و نحن لا نشتهى هذه اللذّة بالطبع، بل بالعقل، و لا نحنّ إليها و لا نتصوّرها. و إن كان البرهان و العقل يدعوان إليها.
و مثلنا فى ذلك مثل العنّين، فانّه لا يحنّ الى لذّة الجماع و لا يشتهيه، لأنّه لم يجرّبه و لم يعرفه، و إن كان الاستقراء و التواتر يعرّفه وجود ذلك و يدلّه على أنّ هاهنا للجماع لذّة. فكذلك حالنا فى اللذّة التي نعرف وجودها و لا نتصوّرها.
و لو كنّا نتصوّر كيفيّة ملائمة المعقولات للنفس او نشعر بها، لكنّا لا ندركها إلّا و يحصل لنا هذه اللذّة و السعادة، و لكنّا لا ندركها و لا ندرك الملائمة التي لها من جهة الشعور بها بسبب المادّة. فاذا فارقنا البدن و كنّا قد حصل لنا العقل بالفعل و كنّا بحيث يمكننا أن نقبل على العقل الفعّال بالذات كمال القبول، طالعنا دفعة المعشوقات الحقيقيّة و اتّصلنا بها، و لم يكن لنا نظر البتّة إلى ما تحتنا من العالم الفاسد، و لا ذكرنا شيئا من أحوالها، و حصلنا فى السعادة الحقيقيّة التي لا يمكن أن توصف.
و نحن فى الدنيا و فى البدن قد نلتذّ بعض اللذّة بادراك الحقّ، إلّا أنّها