العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧١ - الأثر الفارسي والهندي على المسلمين
على الهراطقة الذين دعاهم الفرس (زنادقة) تلك التي وجهت ضد المانوية، وهذه الردود بحد ذاتها تدل على مدى انتشار المانوية في الفكر الإسلامي، إذ قد يتردد صداها في الإنتاج الأدبي الخالص فضلًا عن المؤلفات الفلسفية والمناقشات الكلامية [١].
وكما يأتي الحديث، فإن الأثر الفارسي تبين في التصوف الذي تسرب من الأفكار الفارسية وبالذات عند شيخ فلاسفة الإشراق السهروردي القتيل.
من جهة أخرى، لابد من التذكير بأن ما أداه الفرس إلى الفكر الفلسفي في الإسلام، إنما جاء على يد جيل جديد من مفكريهم وفلاسفتهم، فهؤلاء بعد أن تشربوا أفكاراً يونانية وألمّوا بجانب ضئيل من الثقافة الفارسية القديمة، كتب لهم: أن يتركوا على تاريخ الفكر الإسلامي طابعاً لا يمحى، ولقد برز أمرهم إلى حد أن أشهر الذين تألق نجمهم من علماء المسلمين بعد سنة ٧٥٠ م كانوا- في الغالب- من أصل فارسي [٢].
أما الأثر الهندي؛ فقد تجلى في النظرية الذرية التي كانت ذات أثر بالغ على فكر المتكلمين.
فقد وضع هؤلاء المتكلمون في ردهم على النزعة الأرسطوطالية نظرية ذرية قائمة بذاتها مؤداها: أن العالم يقوم على ثنائية أساسية، هي ثنائية الجوهر والعرض، لم تلبث أن قرنت بمذهب أهل السنة، فقد قبل متكلمو المسلمين المذهب الذري في المادة والمكان والزمان بما يشبه الإجماع وأقاموا على أساسه نظاماً كلامياً محكماً.
لكن الجدير بالملاحظة الآن أن بعض مفارقاتها للأصول اليونانية في نظرتها إلى طبيعة الزمان والمكان والإعراض وقابلية الجوهر والإعراض للفناء- تعكس على ما يبدو- مؤثرات هندية.
وهناك مشابهات أخرى عديدة- جديرة بالذكر- ما بين النظرية الذرية الإسلامية والنظرية الهندية، وما تنطويان عليه من مضامين، وربما كان من أهم السمات
[١] () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ٦١.
[٢] () المصدر.