العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - موقف الإمام الصادق(عليه السلام) من التصوف
أو من الشاء على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قال، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم، ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم.
واعلموا أيها النفر! أني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوماً: ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن، إنه إن قرّض جسده في دار الدنيا بالمقاريض، كان خيراً له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له، فكل ما يصنع الله به فهو خير له، فليت شعري هل يحيق [١] فيكم اليوم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم؟
أو ما علمتم أن الله جل اسمه فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولي وجهه عنهم، ومن ولاهم يومئذٍ دبره فقد تبوأ مقعده من النار، ثم حولهم من حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل الرجلين من المشركين تخفيفاً من الله عن المؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة؟
وأخبروني أيضاً عن القضاة أجوْرٌ منهم [٢] حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: أنا زاهد وإنه لا شيء لي، فإن قلتم جور، ظلمتم أهل الإسلام، وإن قلتم: بل عدل، خصمتم أنفسكم، وحيث يردون صدقة من تصدق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.
أخبروني لو كان الناس كلهم كما تريدون زهاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى من كان يتصدق بكفارات الأيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من
[١] () بقاء: حاق القول في القلب حيقاً وحيقاناً: أخذ وأصله من حاق فيه السيف: إذا أثر وعمل، وحاق الشفرة: أي قطعت، فشبه حججه التي ألقاها في المضي وفصل الخصومة- بالسيف القاطع.
[٢] () في الكافي: (أجوره) وهي جمع جائر نحو جهله جمع جاهل.