العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - الثالث التصوف الفلسفي
وفي الحب مثل الآية الكريمة:
فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة/ ٥٤)
وفي القرب كقوله عز وجل:
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق/ ١٦)
وفي الحلول ووحدة الوجود وهو قوله سبحانه:
هُوَ الأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الحديد/ ٣)
ولكنهما يقولان بعدئذ: لكن هذا كله لا يعني بأن متصوفي الإسلام وجدوا في كتاب الله هذه الآيات فبنوا عليها تصوفهم، بل إنهم رجعوا إليه ووجدوا فيه آيات تبرر المبادئ التي قام عليها هذا التصوف. ولو كانوا بدؤوا طريقهم في القرآن وعملوا بموجب وصاياه لكانت استلفتت أنظارهم آيات كثيرة تحث على السعي وراء المعاش وطلب الطيبات المشروع والتمتع بها:
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ (الجمعة/ ١٠)
وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (القصص/ ٧٧)
يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ (المائدة/ ٨٧)
وسعياً للتوفيق بين الآيات التي اتخذها المتصوفة دليلًا على نزعاتهم وبين تلك التي تنهى عن تحريم الطيبات يقول المؤلفان:
وهاتان النزعتان المتباينتان، نزعة الإعراض عن الدنيا، ونزعة السعي وراءها، نجدهما أيضاً في سيرة الرسول، فقد روي عنه قوله:
" ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه"
وقد نهى عن العزوبة وقال لرجل مال إليها:" فأنت إذا من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا، فمن سنتنا النكاح" [١].
[١] () المصدر، ص ٢٩١.