العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٢ - بين نظرية الفيض والنظريات الفلسفية
الجواب: لأن نظرية (بطليموس) في الفلك قائلة بأن الأفلاك تسعة. ورأت نظرية الفيض بأن النفوس الفلكية تسعاً أيضاً، وزعمت بأن لكل واحدة منها عقلًا، فإذا أضيف إليها العقل الأول، يكون عدد العقول عشرة.
وهكذا زعمت النظرية وفقاً لعلم الفلك عند هيئة (بطليموس) أن العالم علوي وسفلي وأن مركز العالم هو الأرض.
بين نظرية الفيض والنظريات الفلسفية
حسب اعتراف (ديبور) [١] فإن أول من أدخل نظرية الفيض في ثقافة المسلمين كان الفارابي، ولكن لا يعني ذلك أنه ابتكرها، بل ليست هذه النظرية سوى مزيج من النظريات الفلسفية القديمة، طورت بصورة تتلاءم مع العقائد الإسلامية.
والتوفيق الذي يتجلى بأعلى صورة عند الفارابي [٢] وفي نظرية الفيض بالذات هو ثغرة عظيمة في جدار الفكر الفلسفي عند أصحاب مدرسة الإسكندرية، كما عند الفلاسفة المسلمين ابتداءً من القرن الثالث الهجري.
لأنهم كانوا يعيشون تناقضاً حاداً بين آراء الفلاسفة اليونان الذين كانوا يعتقدون بها، بل ويقدسونها أحياناً وبين العقائد الدينية السائدة والتي كانوا يخشون من تجاوزها، وربما كانوا يسعون من أجل تحميلها أراءهم حتى يسهل انتشار أفكارهم الفلسفية باسم الدين الذي كانت الأغلبية الساحقة من الناس يؤمنون به [٣] ويقدسونه.
ومن أجل حل هذا التناقض، اتجهوا إلى منهج التوفيق، وخانوا عن قصد مسبق الأمانة العلمية في كثير من الأحيان، حيث فسروا النصوص التاريخية والدينية بصورة
[١] () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ١٤٩، عنه دراسات ص ١٧.
[٢] () من المعروف أن هذا الفيلسوف حاول التوفيق بين أفكار أفلاطون وأرسطو وتكلف كثيراً في هذا المجال. وكتب كتاباً: باسم التوفيق بين رأي الحكيمين لتحقيق هذا الهدف.
[٣] () من المعروف أن هيئة بطليموس ومنطق أرسطو وبعض آراء أفلاطون كانت إلى عهد قريب قد لبست ثوب الديانة المسيحية وأصبحت مقدسة عند الكنيسة التي دافعة عنها بضراوة وعنف وشكلت من أجلها محاكم التفتيش وأحرقت دفاعاً عنها مئات المفكرين الأحرار ولا تزال أفكار أفلاطون في التثليث المبلورة عند أفلوطين الإسكندري مقدسة عند أغلب الكنائس مما يدل على أن الفلاسفة نجحوا إلى حدٍ ما في تحميل آرائهم على الشارع الديني وإعطائها صبغة القداسة!