العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨١ - (١) العالم بين الحقيقة والمثل
بعض الناس يحملون معهم أشياء تظهر فوق الحائط، وتلقي ظلالها على الجدار الداخلي الذي يتوجه إليه المسجونون، فيرى هؤلاء الظلال ويزعمون أنها حقائق، بينما الحقيقة شيء آخر، ولا يمكنهم وجدانها من دون التحرر من الأغلال والخروج من الكهف!؟ [١].
وهكذا يرى أفلاطون العالم المحسوس الذي يدركه عامة الناس عالم المجاز، بينما يرى العالم الحقيقي هو عالم المعقولات.
وربما لم يكن أفلاطون قد بلور في نظريته فكرة وحدة الوجود، أو حتى أصالة الوجود بصورتها النهائية، إلا أن مجدد نظرياته في مدرسة الإسكندرية (أفلوطين) كان له قصب السبق في توضيح هذه النظرية، بالرغم من أن كمال النظرية- إن صح التعبير- كان على يد صدر المتألهين.
كان أفلوطين قائلًا بوحدة الوجود- يعني كان يزعم أن الحقيقة واحدة، وأن الأحدية أصل ومنشأ كل شيء، وأن الموجودات ترشُح فيضٍ من ذلك المبدأ الأول، وأنه مصدر الكل، ويرى أن نهاية الوجود وغايته أيضاً: الرجوع إلى ذلك المبدأ، حيث أنه يدرك في (قوس النزول) [٢] العوالم الروحانية والجسمانية، وينال في (قوس الصعود) الحس والتعقل والإشراق والكشف والشهود [٣].
وأفلوطين كان قد تأثر وبعمق بنظرية الغنوص الشرقية، إلا أنه بينها بلغة المنطق اليوناني.
وهو لا يرى حقيقة للأشياء (أو الماهيات) إنما الحقيقة للأول ويقصد به المبدأ.
إن الوجود الحقيقي إنما هو وجود (الأول) أو (الواحد) أو (الله) بأسمى ما له من كمال الربوبية، فكل شيء صدر عن (الأول) وإلى (الأول) يعود [٤].
[١] () سير حكمت در أوربا، فارسي، لمحمد علي فروغي، ج ١، ص ٢٩.
[٢] () لعلنا نتحدث بإذن الله عن مصطلح قوس الصعود وقوس النزول ضمن نظرية أفلوطين وأتباعه.
[٣] () سير حكمت در أوربا، فارسي ج ١، ص ٨٦.
[٤] () من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، ص ٢٣٠.