العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - (١) العالم بين الحقيقة والمثل
مصدر لوجود الأشياء في العالم المحسوس وعلة له [١] والمثل بدورها ليست الوجود الحقيقي، لأنها بالتالي مختلفة، وفيها نسبة من النقص، بل هذه المثل تقتبس جمالها ونورها من مثال واحد أعلى.
وهذه المُثُل منضدة بعضها فوق بعض على نحو تصاعدي، يشمل كل منها جميع ما دونه إلى أن ينتهي هذا النظام الهرمي إلى مثال الخير، وهو المثال الأعلى وحقيقة الحقائق وجوهر الوجود، وجميع المثل تتجه إليه لأنها كلها تنشد الخير وتسعى إليه [٢].
والوجود الحقيقي ليس للأشياء، بل لتلك المثل.
ومعنى ذلك: أن كل موجود إنما يتعين نوع وجوده وصفته بمشاركته في مثال من هذه المثل وتشبهه به، وهذه المشاركة وهذا التشبه عنصران يتفاوتان في الأشياء قوة وضعفاً، ولكنهما لن يبلغا الكمال، لأن الكمال للمثل، ولمثال المثل خاصة وهو مثال الخير [٣].
ولا نعلم هل يقصد أفلاطون بمثال الخير ما يقصده الحكماء الإلهيون من كلمة (الله) أو (واجب الوجود)، إلا أن قصة الكهف التي يضرب بها أفلاطون مثل الدنيا المشهودة والحقيقة التي وراءها، تكشف عن قناعة أفلاطون بأن ماهيات الأشياء التي نشاهدها ليست سوى ظلال للوجود الحقيقي، وهو يتطابق مع نظرية أصالة الوجود عن بعض الفلاسفة المتأخرين.
وقصة الكهف هي التالية:
يشبّه أفلاطون الدنيا بكهف ذي منفذ واحد، وقد سجن فيه أفراد منذ بداية عمرهم مغلولين بالأصفاد ووجوههم على جدار الكهف من الداخل، وقد أشعلت وراءهم نار ألقت أشعتها على جدار الكهف الداخلي، وبينهم وبين النار حائط يتحرك من ورائه
[١] () المصدر، ص ١٢٧.
[٢] () المصدر، ص ١٢٩.
[٣] () المصدر، ص ١٢٩.