العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - المحاسبي والجنيد
فالمحاسبي ولد في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد، حيث نشب الخلاف بينه وبين الحنابلة، لأنه أجاز لنفسه استخدام الأساليب الكلامية في عظاته الدينية، وكانت نزعته الصوفية تقوم على ركنين: الأول محاسبة النفس- ومن هنا جاء لقبه بالمحاسبي- والثاني استعداده لاحتمال أقسى المحن في سبيل الله" المحبوب" [١].
وكان من تلاميذ المحاسبي أبو القاسم الجنيد الذي توفي عام (٩١٠).
ويعتبر في التراث الصوفي من كبار الرائدين، فضلًا عن أنه حظي باحترام جميع العلماء على اختلافهم، من مؤمنين ومارقين، ابتداءً بالسراج والقشيري، وانتهاءً بالحلاج وسعيد بن أبي الخير، وكان من معلميه المحاسبي والسقطي (ت ٨٧٠) وأبو حفص الحداد (ت ٨٧٣). وهو مع رصانته قد عظم البسطامي (ت ٨٧٤)، المروّج المسرف لفكرة الاتحاد بالله، الذي سنعود إليه بعد حين. ولقد كان تأثيره على مراحل التصوف اللاحقة عظيماً جداً، ومع أنه كان بطبيعته حيياً وهادئاً، فقد استحوذ عليه شعور عميق بتسامي الله ووحدانيته، بلغ ذورته، في تعبير مفرط عن الشوق إلى الاتحاد بالله، اقترن في ما بعد باسم الحلاج (ت ٩٢٢).
ومن الجدير بالذكر إنه كان بين تلاميذه، إلى جانب هذا الصوفي المسرف في شوقه إلى الاتحاد بالله، جماعة من أعلام الكلام والتصوف، ممن اشتهروا بالاعتدال والرصانة، بينهم الغزالي الذي شهد له بأنه كان أحد مرشديه الروحيين البارزين [٢].
وعند الجنيد تظهر تأثيرات الثقافات الدخيلة، حيث أنه بدأ يبالغ في فكرة الفناء في الله والعودة إلى (اللاذاتية) التي تعني العودة إلى ضمير الخالق. أو لم يكن الخلق قبل ظهوره في حيز الزمان فكرة عند خالقه؟ فإن غاية الصوفي أن يعود- مرة أخرى- إلى فكرة في ضمير الخالق، حيث الأبدية والخلود والراحة والرضوان.
[١] () المصدر، ص ٣٢٥.
[٢] () المصدر، ٣٢٦.