العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٩ - لماذا وجبت معرفة الرب؟
إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (العنكبوت/ ٤٥)
وحيث يبين لنا نعم الجنة، لا يلبث أن يبن لنا أن رضوان الله أكبر فيقول ربنا سبحانه:
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ (التوبة/ ٧٢)
وتلك الجنة التي فيها من النعم الخالدة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تصبح النعم فيها حقيرة إلى جنب معرفة الله والنظر إلى سبحات وجهه عز وجل، وبالتالي رضوان الله.
ولا يعرف أهمية نعمة معرفة الله سبحانه إلا من رزقه الله إياها، أما غيره فمثله مثل البهائم بل أضل سبيلًا، إن البهائم تنتفع بالحشائش، ولو قيل للبهيمة إن هناك موائد أفضل لما فهمت ذلك، ولو أنك ذكرت لها أن الأعظم من الأكلات الشهية هو المطعم الفاخر الذي يحويها، والأعظم منها الإخلاء الذين نجلس إلى جنبهم عليها، والأعظم من ذلك أن نكون في حضرة عظيم، إذ أن مجرد الحضور عنده بهجة وسعادة، فهل تستطيع البهيمة أن تستوعب هذه الحقائق؟ كلا ..
لأن حدود البهيمة تقف عند الحشائش والعلف، وكذلك الكافر والغافل مذهولان عن لذة مناجاة الله، ولو ذكرت لهما ألف دليل ودليل على أهمية التعرف على الله والابتهاج في رحاب قدسه، لا يستطيعان يفهما لان مستوى عقلهما محدود هابط.
إذاً، من الذي يعقل كل ذلك؟ الذي ذاق حلاوة مناجاة ربه، وقام في الأسحار متهجداً ومتبتلًا، وهو الذي عاش قلبه بذكر ربه، وبرّد ألم الخوف عن نفسه بذكر مولاه، إنه يستطيع أن يفهم أي خسارة كبيرة يخسرها لو ترك ذكر الله. ومناجاة المحبين للإمام زين العابدين (عليه السلام) خير توضيح لذلك.
حيث يقول:
" إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلًا، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولا، إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودك