العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٠ - المحاسبي والجنيد
العزوبة، وتخلت عن حطام الدنيا، وهي الأمور التي قرنها البصري بالدعوة الصوفية الصادقة. وقد كانت إلى ذلك، السابقة في تاريخ التصوف الإسلامي إلى الترويج لفكرة الحب الإلهي، فقد تحدث متصوفون سابقون عن صلة (شوق) أو (خلّة) بالله؛ لكن رابعة تخطتهم بعيداً في حديثها العاطفي عن (حب) المؤمن لله. وهي في ذلك قد اتجهت اتجاهاً مغايراً للعرف الديني الإسلامي، الذي يذهب إلى أن الإنسان لا يقوى على الاقتراب من الله إلا بروح التعبد والورع والرهبة. ولقد طرح عليها يوماً سؤال مؤداه: أتحبين الله وتكرهين الشيطان؟ فكان جوابها: إن حبي لله قد منعني من الاشتغال بكراهية الشيطان، وفي رواية أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ظهر لها في المنام وسألها: يا رابعة؟ أتحبينني؟ فأجابته: يا رسول الله وهل ثمة من لا يحبك؟ لكن حبي لله تعالى، قد ملأ قلبي إلى حد لم يجعل هناك مكاناً لمحبة غيره أو كراهيته. وأروع ما وصفت به حبها هذا أبيات تقول فيها:
أحبك حبّين: حب الهوى
وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا [١]
المحاسبي والجنيد
وانتقل التصوف من البصرة إلى بغداد، ومثل كرة الثلج لم يمضِ في عمق الزمان إلا تضخم بما لحقه من أفكار دخيلة
وكان من أبرز متصوفة بغداد الأولين معروف الكرخي (ت ٨١٥)، ومنصور بن عمار (ت ٨٣٩)، وبشر بن الحافي (ت ٨٤٢)، وابن أبي الدنيا (ت ٨٩٤) إلا أن أعظم متصوفة مدرسة بغداد دون ريب اثنان هما المحاسبي (ت ٨٥٧) والجنيد (ت ٩١٠).
[١] () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ٣٢٥.