العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٩ - أثر مدرسة الإسكندرية بين المسلمين
ربما نجد الجواب في تحليل للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعتبر كالتربة بالنسبة إلى الفكر، فهي تساهم في تنمية ثقافات مناسبة لها، أو في استيرادها من الخارج كما تعمل في دفن أفكار أخرى غير مناسبة لها.
وإذا عرفنا أن موجات الفتوحات الإسلامية قد خفّت في نهايات القرن الأول، وأن حالة من الركود والتقاعس والترف في لذات الدنيا قد سادت ذلك العصر الذي سمي فيما بعد بالعصر الذهبي ابتداءً من خلافة هارون الرشيد، والذي استمر بصورة أو بأخرى حتى القرن الرابع الهجري نعرف أن الظرف الحضاري كان يساعد:
أولًا: الأفكار التجريدية البعيدة عن واقع الممارسة السياسية وعن حرارة الصراع الحضاري التي كانت في العهد الإسلامي الأول.
ثانياً: الأفكار التوفيقية التي تنقذ صاحبها من التورط في مشاكل الصراع.
كان هذا النموذج الثقافي جاهزاً عند مدرسة الإسكندرية لذات الأسباب الحضارية: إذ أن ثقافة التوفيق واجترار أفكار السابقين والمزج بين متناقضات الدين والفلسفة.
أقول: إن هذه الثقافة لم تنتشر في الإسكندرية إلا بعد أفول نجم حضارة اليونان وتوقف اندفاعها، حيث أن بداية إنشاء مدرسة الإسكندرية- كما سبق الحديث عنه- توافق نهاية عهد الإسكندر وتقسيم ممالكه التي فتحها، وهيمنة أحد قادة جيشه على مصر.
كما أن انتشار الأفلاطونية الجديدة ذات الصبغة التوفيقية كان بين القرن الثاني والثالث الميلادي، حيث خبا في نفوس النصارى وهج الرسالة الإلهية التي نزلت على سيدنا عيسى بن مريم عليهما السلام. ولم يعد المسلمون على استعداد لتحمل مسؤولياتها، وبحثوا عن طريقة لتأويلها حسب الظروف وللتوفيق بينها وبين الثقافات الجاهلية القائمة، إنك ترى ذات الظروف سائدة في القرن الثاني للهجرة وتصل الثقافة إلى ذات الغاية الواحدة.