العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٤ - ٢ - مصالح العباد
لماذا ترتبت حوادث الكون على بعضها؟ لماذا خلق (آدم) أولًا ثم (نوح) ثم (إبراهيم) ثم (موسى) فعيسى فمحمد صلوات الله عليهم؟
لماذا تأخر فيض الله عن خلق الأنبياء- وهم أعز خلقه- هذه الملايين من السنين؟ أو لستم تقولون إن الله خير محض، وفيض مستمر؟ فما هي المصلحة في تأخير الخلق؟
وهذا التساؤل كما سبق الحديث عنه، هو الذي فتح ثغرة واسعة في نظرية الفيض القديمة منها والحديثة، إنهم يقولون أن تأخير فيض الله عن الأشياء إنما لأحد السببين التاليين:
الأول: لأن مصلحة الخلق تقتضي ترتيب الحوادث.
الثاني: لأننا لا نسأل عن العدم لماذا هو عدم، بل نسأل عن الموجود لماذا وُجد؟
وحسب ما يقولون: الذاتي لا يعلل، والحوادث كانت معدومة فخلقت ولا تساؤل عن المعدوم.
ونحن نقول: دعنا نتساءل: هل كان تأخر الحوادث لمصلحة؟ أم لأن العدم ذاتي الشيء، والذاتي لا يعلل كما تدعون!
إن كان تأخير الخلق لمصلحة، فكيف تؤثر مصلحة المخلوق في إرادة الخالق، وإذاً لماذا لا تقولون: إن الكون كله تأخر خلقه لمصلحة المخلوقين؟
وإن كان، لأن الذاتي لا يعلل، ومادام الممكن عدمي الذات، أي ذاته العدم، وإنه ليس بشيء، لا يمكن التساؤل: لماذا استمر العدم؟ بل لابد أن نتساءل: لماذا وجد؟
فنحن نقول: هكذا بالنسبة إلى أصل الكون، ليس من الصحيح أن تسأل: لماذا تأخر وجوده؟
إن ربنا الرحمن الرحيم العلام الحكيم الذي سبقت رحمته غضبه، وقرنت حكمته بعلمه، خلق الخلائق برحمته، ووضعهم مواضعهم بحكمته.
والذي أوجب تحول الأشياء من الإمكان إلى الوجود، هو مشيئة الله .. أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصلت/ ٥٣)