أصول العقائد و أحكام التقليد و البلوغ - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - البعث والنشور في القرآن الكريم
لماذا البعث؟
من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق، وكشف زيف الكفار. وهكذا يكون من حِكَم الإيمان بالآخرة، الايمان بوجود مقياس ثابت للحق، يرجع إليه الناس، فيحكم بينهم فيما اختلفوا. قال الله تعالى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (النحل/ ٣٩) فلا يستطيع أحد من أن يبدل الحق باطلًا، ويخدع نفسه بأن الباطل قد أصبح حقاً. كلّا؛ إن وراءنا يوماً يميز فيه الحق عن الباطل بوضوح كاف.
يحيي ويميت
إن العالم مع ما فيه من تقدم كبير في مجال العلوم المختلفة، عاجز بأسره أن يضيف إلى الإنسان لحظة واحدة من الحياة، لأن الحياة بيد الله وحده، فهو الذي يحيي ويميت. وليس الإنسان وحده الذي يخضع لإرادة الله تعالى، بل لا تجد ظاهرة في الكون إلّا وهي خاشعة له خاضعة لأمره.
قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (المؤمنون/ ٨٠)
فالليل والنهار يتعاقبان، ليس فقط في التناوب الزمني، وإنما أيضاً في القصر والطول. ومن أوتي البصيرة، والنظر بعين قلبه الى اتقان تدبير الله في الليل والنهار، تبصر أيضاً بمعنى الحياة والموت وقدرة الله المهيمنة عليهما.
وإن الإنسان ليهتدي لهذه الحقيقة حينما يستفيد من عقله، أما حين يعطله بالأسباب المختلفة، كتقليد الآباء، فانه أبعد ما يكون عن استيعاب هذه الحقائق بالرغم من شدة وضوحها وقربها.