الدّرر النجفيّة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٣٨ - (٥٦) درّة في المعاد الجسماني
أحدها : قوله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) [١] ، أي في الوجود ، ولا يتصوّر ذلك إلّا بانعدام ما سواه ، وليس بعد القيامة ـ وفاقا ـ فيكون قبلها.
واجيب بأنه يجوز أن يكون المعنى هو مبدأ كلّ موجود وغاية كل مقصود ، أو المتوحّد في الالوهيّة أو صفات الكمال ، كما إذا قيل لك : هذا أوّل من زارك أم آخرهم؟ فتقول : هو الأول والآخر ، وتريد أنه لا زائر سواه.
وبالجملة ، فإنه ليس المراد أنه آخر كلّ شيء بحسب الزمان ؛ للاتفاق على أبديّة الجنّة ومن فيها.
وثانيها : قوله عزوجل (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ) [٢] ، فإن المراد بالهلاك : الانعدام.
واجيب بأن المعنى أنه هالك في حدّ ذاته ؛ لكونه ممكنا لا يستحق الوجود إلّا بالنظر إلى العلّة ، أو المراد بالهلاك : الموت ، كما في قوله (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) [٣]. أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله ، كما يقال : هلك الطعام ، إذا لم يبق صالحا للأكل وإن صلح لمنفعة اخرى.
وثالثها : قوله عزوجل (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [٤] ، (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [٥] ، والبدء من العدم ، فكذا العود. وأيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا يتصوّر بدون تخلل العدم.
وأجيب بأنا لا نسلّم أن المراد بإبداء الخلق : الإيجاد والإخراج عن العدم ، بل : الجمع والتركيب ، كما يشعر به قوله تعالى (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ) [٦] ، ولهذا يوصف بكونه مرئيا مشاهدا ، كقوله سبحانه (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ
[١] الحديد : ٣.
[٢] القصص : ٨٨.
[٣] النساء : ١٧٦.
[٤] الروم : ٢٧.
[٥] الأنبياء : ١٠٤.
[٦] السجدة : ٧.