بحوث في الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٤
النار إلاّ أمرتكم به ».
٣ ـ والآية القرآنية التي نزلت في حجّة الوداع. ( ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ... ) [١] ، فقد تم الدين في زمن الرسول ٩ فلا حاجة الى مشرِّع بعد رسول الله ٩. وحينئذ يكون معنى روايات التفويض الى الأئمة : ناظرة الى الحكومة وتبليغ الاحكام وحفظها. ومما يؤيد هذا هو استبعاد أن يكون امرٌ عظيم الأهمية ( كحق التشريع للائمة : ) في حياة المسلمين وفي مسيرتهم قد دلّ عليه خبر واحد ، بل لابدّ ان يكون مبيّناً بالدليل الواضح ( كالدليل على حاكميتهم في الخلافة العامة مثلاً ) الواصل بحيث لا يكون فيه غموض ولا إبهام فيكون مَنْ خالف قد خالف عن بيّنة. بقي علينا ان نجيب عن سؤال قد يوجّه الينا وهو : لماذا فوّض النبي ٩ أمر الحكم والتبليغ الى الأئمة : دون غيرهم ؟
الجواب : ان النبي ٩ لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه ، فيما يرجع إلى اُمور الشريعة بالانفاق لأنه ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) ، ومع هذا نتمكن ان نجيب على ذلك من باب حكمة هذا التفويض الى الأئمة دون غيرهم ، إذ نقول : يمكن ان تكون الحكمة هي عصمة [٢] هؤلاء الأئمة دون غيرهم ؛ فهم الأجدر بتحمّل مسؤولية التبليغ لأحكام الله وحفظها من الضياع ، وهم الأجدر بحكومة الناس ـ من حيث عصمتهم من الوقوع في الخطأ أو الاشتباه أو النسيان ـ في تطبيق أحكام الله تعالى. وقد أثبت لنا التاريخ انهم الأجدر في حفظ سنّة النبي ٩ حيث مُنع من كتابة وحفظ الحديث في زمن رسول الله ٩ وبعد وفاته كما تقدم ذلك ، فان قريش ( ومَنْ تسلّم الحكم بعد رسول الله ٩ ) قد منعوا من كتابة الحديث بحجّة
[١] المائدة : ٣.
[٢] الأدلة على عصمة الأئمة : من القرآن والسنة كثيرة منها :
آية التطهير : ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ).