بحوث في الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٣٧
وخلاصته تكمن في غررية هذا الالتزام ، لان الداعي الى المناقصة قد التزم باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معه ، مع أنه لا يعلم المقدار الذي يقع عليه التعاقد في الخارج الآن ، فهو التزام غرري.
والجواب ذلك :
١ ـ إن الغرر الذي منعه الشارع المقدس ليس هو الجهالة ، بل الغرر : عبارة عن عدم معرفة حصول الشيء من عدمه ، كالطير في الهواء والسمك في الماء ، وهذا يختلف عن المجهول الذي معناه : « ما علم حصوله مع جهالة صفته ».
٢ ـ ولو قلنا كما قال الفقهاء : بانَّ الغرر يشمل الجهالة أيضاً ، فان الغرر المنهي عنه هو الغرر الذي يؤدي الى منازعة بين المتبايعين ، اما ما كان لا يؤدي الى المنازعة فهو لا بأس به ، وقد ذكرت الروايات الامثلة الكثيرة الدالة على عدم الضرر في وجود غرر ( جهالة ) لا تؤدي الى المنازعة كما في بيع شيء من الحليب في الاسكرجة مع ما في الضرع ، وبيع السمك في الأجمة مع القصب الظاهر ، وامثال ذلك من البيوع التي فيها جهالة واضحة إلا أنها لا تؤدي الى منازعة بين المتخاصمين.
٣ ـ ولو تنزلنا وقلنا ان الغرر يشمل كل جهالة ، فهو إنما يضر اذا كانت الجهالة في العقد ، أما هنا فان الجهالة في الشرط وليست في العقد [١].
ولا حاجة الى التنبيه الى أن هذه العقود لا يجوز فيها التفرير والخداع من المتناقصين أو المتزايدين او واحد منهم أو أطراف خارجية ، وذلك لأجل تحقيق المنافسة النزيهة التي هي اساس المناقصة الحرة. كما هي عقود يطلب فيها المشتري او البائع الاحتياط لنفسه ودفع التهمة عنه فيما اذا كان وكيلاً او ولياً.
[١] وقد يكون أقوى شاهد على عدم وجود الغرر في هذه المعاملة هو النصّ الوارد في بيع مَنْ يزيد ، فإنَّ البيع صحيح ، ومعنى ذلك عدم وجود الغرر المضرِّ مع ان البائع حينما عرض سلعته للبيع لا يدري بكم يكون الثمن ، فهنا يكون الامر كذلك حيث إن المشتري يريد الشراء ولا يعلم الثمن وحينئذ يكون الالتزام بمثل هذه المعاملة صحيحاً لأنَّ الالتزام بالصحيح صحيح وهذا واضح.