اضواء علي عقائد الشيعه الاماميه و تاريخهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥٩ - (٤) دراسة أدلّة النافین
الشبهة الثانیة: تجلّیه للجبل
إنّ تجلّیه سبحانه للجبل هو رؤیة الجبل له، فلمّا رآه (سبحانه) اندکّت أجزاؤه، فإذا کان الأمرُ کذلک ثبت أنه تعالی جائز الرؤیة، وأقصی ما فی الباب أنْ یقال:
الجماد جماد، والجماد یمتنع أن یَری شیئاً، إلّاأن نقول لا یمتنع أن یقال: إنّه تعالی خلق فی ذلک الجبل الحیاة والعقل والفهم ثمّ خلق فیه الرؤیة متعلّقة بذات اللَّه [١].
لکن یلاحظ علی هذا الکلام: أنّ ما ذکره من رؤیة الجبال للَّهتعالی مع افتراضه الحیاة والعقل والفهم للجبل شیء نسجه فکره، ولیس فی الآیة أیّ دلیل علیه، والحافز إلی هذه الفکرة هو الدفاع عن الموقف المسبق والعقیدة التی وَرِثها، وظاهر الآیة أنّه سبحانه تجلّی للجبل وهو لم یتحمّل تجلّیه لا أنّه رآه وشاهده.
وأمّا التجلّی، فکما یحتمل أن یکون بالذات کذلک یحتمل أن یکون بالفعل، فمن لم یتحمّل تجلّیه بفعله وقدرته فالأولی أن لا یتحمّل تجلّیه بذاته، وعندئذٍ فمن المحتمل جداً أن یکون تجلّیه بآثاره وقدرته وأفعاله، فعند ذلک لا یدلّ أنّ تجلّیه للجبل کان بذاته.
أضِفْ إلی ذلک أنّ أقصی ما تُعطیه الآیة هو الإشعار بذلک، لذا لا یمکن التمسک به وطرح الدلائل القاطعة عقلًا ونقلًا علی امتناع رؤیته.
إلی هنا تمّ ما أردناه من دلالة الذکر الحکیم علی امتناع الرؤیة، وقد استنطقنا الآیات السالفة بوجه تفصیلی، وتعرّفت فیه علی موقفه من الرؤیة بالعیون والأبصار.
[١] الرازی، مفاتیح الغیب ٢٤: ٢٣٢.