اضواء علي عقائد الشيعه الاماميه و تاريخهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٦ - الفرق بین الشیعة الإمامیة وسائر الفرق
الأمر الثانی:
إنّ البداء لا یتحقّق فیما یتعلّق بنظام النبوّة والولایة والخاتمیة والملاحم الغیبیة التی تعدّ شعاراً للشریعة، فإذا أخبر المسیح بمجیء نبیّ اسمه أحمد، أو أخبر النبیّ بکونه خاتماً للرسل، أو أنّ الخلافة بعده لوصیّه، أو أنّه یخرج من ولده من یملأ الأرض قسطاً وعدلًا، ونظیر ذلک، فلا یتحقّق فیه البداء قطعاً؛ لأنّ احتمال البداء فیه ناقض للحکمة، وموجب لضلال العباد، ولو کان احتمال هذا الباب مفتوحاً فی تلک المسائل الأُصولیة لما وجب لأحد أن یقتفی النبیّ المبشَّر به، ولا یوالی الوصی المنصوص علیه، ولا یتلقّی دین الإسلام خاتماً، ولا ظهور المهدی أمراً مقضیّاً، بحجّة أنّه یمکن أن یقع فیه البداء. ففتح هذا الباب فی المعارف والعقائد والأُصول والسنن الإسلامیة مخالف للحکمة وموجب لضلالة الناس، وهذا ما یستحیل علی اللَّه سبحانه، وإنّما مصبّ البداء هو القضایا الجزئیة أو الشخصیّة، کما هو الحال فی الأخبار الماضیة.
الأمر الثالث:
أنّ إطلاق البداء فی هذه الموارد، إنّما هو بالمعنی الذی عرفت، وأنّ حقیقته بداء من اللَّه للناس وإظهار منه، ولو قیل بدا للَّه، فإنّما هو من باب المشاکلة والمجاز، والقرآن ملیء به، فقد نسب الذکر الحکیم إلیه سبحانه المکر وقال: وَمَکَرُوا وَمَکَرَ اللَّه واللَّه خَیْرُ الماکِرِینَ [١]
ولیست المناقشة فی التعبیر من دأب المحقّقین، فلو کان أهل السنّة لا یروقهم التعبیر عن هذا الأصل بلفظ البداء للَّه، فلیغیّروا التعبیر ویعبّروا عن هذه الحقیقة الناصعة بتعبیر یرضیهم.
ولکن الشیعة تبعت النبیّ الأکرمصلی الله علیه و آله فی هذا المصطلح، وهو أوّل من استعمل
[١] آل عمران: ٥٤، وهنا آیات أُخر یستدلّ بها علی المشاکلة فی التعبیر عن الحقائق العلویة.