تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٦٤ - ٥٧٩٩ ـ كثير بن مسيرة
ابن هراسة العامري ، فقال الحجّاج : مرحبا يا ابن هراسة ، أهل الشرف والرئاسة ، من بهاليل سادة كرام ، قادة حماة ذادة ؛ كيف أنت وهنتك [١] وجميع قومك؟ فقال : أصلح الله الأمير [٢] ، إنه قد كانت بيني وبينه أشياء ضقت بها ذرعا ، وامتلأت منها رعبا ، وأنت صحيح الأديم في الحسب الصميم ، لا يشتكي منك الضعيف ولا يخاف منك العنف ، فإن ترض [٣] عني اغتبط ، وإن تتركني انهبط ، فقال له الحجّاج : ما احتجنا إلى ثنائك [٤] ولا رغبنا في هوائك ، ثم ألحقه بأفضلهم رجلا ، قال : فرجع الوفد حتى قدموا على عبد الملك ، فنظر إلى ابن هراسة فقال : ما لي أراك حديد النظر ، إذ أهلا أم عائبا أم راضيا ، أم ساخطا ، كيف رأيت رأي من رأيك [٥] ، أوجدت الحجّاج جريا [٦] ذاهيا لا يأخذ أمره بالعجلة حتى يصيب من عدوّه غفلة ، قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، أنت كنت أحسن من نظر وأصدق قولا ، وأبعد غورا. قاتله الله ما أدق لحظه ، وأحسن لفظه ، وأسكن فوره ، وأبعد غوره ، لا يشتكى منه العجلة ، ولا يؤمن منه الغفلة ، والله يا أمير المؤمنين لو سهل له من أمره ما توعّر ، وتقدم له ما تأخر لطحنني طحن المرداة الململمة حب الفلفل.
ذكر أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي ، أنبأنا أحمد بن زهير ، حدّثنا علي بن نصر ، عن محمّد بن حرب الهلالي قال : قال كثير بن هراسة لابنه [٧] :
أي [٨] بني ، إن من الناس ناسا ينقصونك إن زدتهم ، وتهون عليهم إذا خاصمتهم [٩] ، وليس لرضاهم موضع تعرفه ، ولا لسخطهم موضع تنكره [١٠] ، فإذا رأيت أولئك بأعيانهم فابذل لهم وجه المودة ، وامنعهم موضع الخلصة [١١] ، يكن ما بذلت لهم من المودة دافعا لشرهم ، وما منعتهم من موضع الخلصة [١٢] قاطعا لحرمتهم.
[١] الأصل : «وهبنك» والمثبت عن «ز».
[٢] من قوله : كيف أنت ... إلى هنا سقط من م.
[٣] بالأصل وم : ترضى ، والمثبت عن «ز».
[٤] الأصل : ثيابك ، وإعجامها ناقص في م ، والمثبت عن «ز».
[٥] كذا الأصل وم و «ز».
[٦] كذا الأصل وم ، وفي «ز» : مرتا.
[٧] الخبر في العقد الفريد ٢ / ١٧٣.
[٨] كذا بالأصل وم و «ز».
[٩] وفي العقد الفريد : خاصصتهم.
[١٠] كذا الأصل وم و «ز» ، وفي العقد الفريد : تحذره.
[١١] الأصل وم و «ز» ، وفي العقد الفريد : الخاصة.
[١٢] الأصل وم و «ز» ، وفي العقد الفريد : الخاصة.