تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٦٢ - ٥٧٩٩ ـ كثير بن مسيرة
قرأت بخط أبي الحسن رشأ بن نظيف المقرئ ، وأنبأنيه أبو القاسم علي بن إبراهيم ، وأبو الوحش سبيع بن المسلّم عنه ، أنبأنا أبو مسلم محمّد بن علي الكاتب ، أنبأنا أبو بكر محمّد بن الحسن [١] بن دريد ، أنبأنا أبو عثمان ، عن الثوري ، عن أبي عبيدة قال : وفد الحجّاج إلى عبد الملك ، فوجد عنده كثير بن هراسة العامري ، وعند عبد الملك يومئذ وجوه الناس من قريش وغيرهم ، فقال عبد الملك : يا حجّاج ، قال : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : إنّ العلماء يزعمون أن ثقيفا من إياد ، وقد قال الشاعر :
| قومي إياد لو أنّهم أمم | ولو أقاموا لتمّت النّعم |
فقال الحجّاج : أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به ، إنّ الحق أبلج ، وإنّ مسلك الصدق منهج ، وإنّ طريق الباطل أعوج ، وإنه لم يخز من ركب الحق ، ولم يعم من قصد الصدق ، ونحن من قيس عيلان ، أو رقت غصوننا بورقه وقد قال شاعرنا :
| بان إيادكم ضل من ضل | وأنا من إيادكم براء | |
| وإنّا معشر من جذم قيس | فنسبتنا ونسبتهم سواء | |
| خلقنا منهم وبنوا علينا | كما بنيت على الأرض السماء |
فقال ابن هراسة : والله يا أمير المؤمنين إنّ هذا الشر [٢] أصيل ، وعار وبيل ، وخطب جليل ، دخول رجل في قوم ليس منهم ، وخروجه عن قوم رغبة عنهم ، إلّا أنه قد عرف أنه ليس من الفريقين جميعا فأحب أن يغترّ [٣] بالعدد والعدة ، والله يا أمير المؤمنين ما كثرونا من قلة ، ولا اعتززنا بهم من ذلّة ، وما بنا إليهم من حاجة ، ولكن ساقتهم إلينا الفاقة ، ونحن قوم نجير الذمار ، ونحفظ الجوار ، فلجئوا إلينا حين ضاقت عليهم المذاهب ، وكدحتهم المخالب ، وكبحتهم المضارب ، وايم الله لوددت أنهم لحقوا بعشائرهم ، فإنّهم يفسدون إذا أصلحنا ، ويصلحون إذا أفسدنا ، لئام الجدود ، قصار الحدود ، بقية آل ثمود ، وأمساخ القرود ، عبيد وأبناء عبيد ، ابتزوا [٤] أشرا واستنوا مرحا ، واختالوا بطرا.
فقال له الحجّاج : والله يا بن هراسة إنّك لتمد بيد قصيرة ، وباع ضيقة لا تنزع عن
[١] بالأصل : الحسين ، تصحيف ، والتصويب عن م و «ز».
[٢] في م و «ز» : لشر.
[٣] في «ز» : ابتروا ابتراء واستنوا من جاء واحتالوا بظراء.
[٤] في «ز» : يعتز.