تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٥ - ٣٣١٠ ـ عبد الله سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب ابن جذيمة بن مالك ، ويقال جذيمة بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك أبو يحيى القرشي العامري
الذي كتبت يوحى إليّ كما يوحى إلى محمّد وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدّا ، فأهدر رسول الله ٦ دمه يوم الفتح ، فلما كان يومئذ ، جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفّان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فقال : يا أخي إنّي والله اخترتك فاحتبسني [١] هاهنا ، واذهب إلى محمّد فكلّمه فيّ ، فإنّ محمّدا إن رآني ضرب الذي فيه عيناي ، إنّ جرمي أعظم الجرم ، وقد جئت تائبا ، فقال عثمان : بل اذهب معي ، قال عبد الله : والله لئن رآني ليضربنّ عنقي ولا يناظرني ، قد أهدر دمي ، وأصحابه يطلبوني في كل موضع ، فقال عثمان : انطلق معي ، فلا يقتلك إن شاء الله ، فلم يرع رسول الله ٦ إلّا بعثمان آخذا [٢] بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح واقفين بين يديه ، فأقبل عثمان على النبي ٦ فقال : يا رسول الله إنّ أمّه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه [٣] ، وكانت تلطفني وتتركه ، فهبه لي.
فأعرض عنه رسول الله ٦ ، وجعل عثمان كلّما أعرض عنه رسول الله ٦ بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام ، وإنّما أعرض النبي ٦ إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمّنه ، فلما رأى أن لا يقوم [٤] أحد وعثمان قد أكبّ على رسول الله ٦ يقبّل رأسه وهو يقول : يا رسول الله تبايعه فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله ٦ : «نعم» ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : «ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله» أو قال : «الفاسق» ، فقال عبّاد بن بشر : ألا أومأت إليّ يا رسول الله؟ فو الذي بعثك بالحق إنّي لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إليّ فأضرب عنقه ، ويقال : قال هذا : أبو اليسر ، ويقال عمر بن الخطاب ، فقال رسول الله ٦ : «إنّي لا أقتل بالإشارة» ، وقائل يقول : إنّ النبي ٦ قال يومئذ : «إن النبي لا يكون له خائنة [٥] الأعين» ، فبايعه رسول الله ٦ ، فجعل يفرّ من رسول الله ٦ كلّما رآه ، فقال عثمان : يا رسول الله بأبي وأمي لو ترى ابن أم عبد الله يفرّ منك كلما رآك ، فتبسّم رسول الله ٦ فقال : «أولم أبايعه وأؤمنه؟» ، قال :
[١] إعجامها مضطرب بالأصل والمثبت عن م ومغازي الواقدي.
[٢] في مغازي الواقدي : أخذ.
[٣] في المغازي : وتقطعه.
[٤] في المغازي : يقدم.
[٥] أي يضمر في نفسه غير ما يظهره ، فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان ، وإذا كان ظهور تلك الحالة من قبل العين ، سميت خائنة الأعين (النهاية).