الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧٦ - ذكر قدوم موسى على الوليد
جزائي ، إني لبعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين ، مع قدمة [١] آبائي مع آبائك ، ونصيحتي لهم . قال : فيقول له سليمان : كذبت ، قتلني الله إن لم أقتلك . فلما أكثر على موسى قال له : أما والله لمن في بطن الأرض أحب إلي ممن على ظهرها . فقال سليمان :
ومن أولئك واستطير [٢] . فقال له موسى : مروان ، وعبد الملك والوليد أخوك ، وعبد العزيز عمك . قال : فكاد سليمان ينكسر . ثم يقول : قتلني الله إن لم أقتلك . فيقول له موسى : ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين ؟ فيقول : ولم ؟ لا أم لك . فيقول له موسى : إني لأرجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس ، قد ارتفع نفسه ، وعظم بهره [٣] ، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال : ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر [٤] . قال عمر : فاغتنمتها منه ، ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين .
فقلت : أجل يا أمير المؤمنين ، امرؤ كبرت سنه ، وكثر لحمه ، وبه نسمة وبهر وسقم . فما أراه إلا ميتا . قال : ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال : من يأخذ هذا الشيخ ، فيستخرج منه هذه الأموال ؟ فقال يزيد بن المهلب : أنا يا أمير المؤمنين قال : فخذه ولا تمسه ، وضع العذاب على ابنيه مروان ، وعبد الأعلى ، فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه ، ثم انصرف به إلى منزله ، فأكرمه وبره . وقال له : أطع أمري ، وأجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك ، وحملني كل ما قاضيته عليه . فقال له موسى : أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن ، فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لأمير المؤمنين ، وأيم الله لو أمر سواك بي ، وأمره بالبسط علي ، لكان أحب إلي أن ألقى الله عز وجل ، وأقرب إلي من أن يأخذوا مني دينارا واحدا ، ولكن أديا يا ابني عن أنفسكما وعن أبيكما ، فقالا : نعم ، فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان ، فأعلمه بذلك ، وبرضا موسى بمقاضاته ، فأدخله سليمان عليه . فقال موسى : أرأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا فقال سليمان : أضع العذاب عليك وعلى ابنيك حتى أبلغ ما أريد ، أو آتي على أنفسكم . فقال موسى : الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال ، ولك ما دعوتني إليه من هذا المال . فقال : وما هن ؟ قال : لا تعزل عبد الله بن موسى عن أفريقية وجميع عمله سنتين ، وأن كل ما جباه عبد الله بأفريقية ، وعبد العزيز بالأندلس ،
[١] القدمة : السابقة أي مع سابقة آبائي مع آبائك من حيث قيام آبائي بأعمال جليلة لآبائك .
[٢] استطير : ذعر وخاف .
[٣] بهره : انقطاع نفسه من الاعياء والتعب .
[٤] برئت : أي نفذت يميني وكان قد حلف ليصلبنه .