الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٨ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
ذكر الحائك المتطفل قال : وذكروا أن الرشيد لما انصرف من الحجاز وصار بالرقة [١] قال لوزيره عمرو بن مسعدة : ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرحجي حتى وليته الأهواز ، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما [٢] وقضما ، ولم يوجه إلي درهما ، فاخرج إليه من ساعتك هذه ، حتى تحل ساحته ، ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها ، ولا أكرومة إلا أهنتها ، ثم لا تسمع له حجة يرفعها ، ولا تقبل منه كلمة ينهيها ، إن اعتذر فلا تقبل له عذرا ، وإن قال فلا تقبل له قولا ، فشر قائل . وأكذب متظلم ، فقلت في نفسي : أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج ؟ ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين ، إذ كانت ولايته بسببي . فقلت : أخرج يا أمير المؤمنين ؟ قال : فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما ، فحلفت له ، ثم انحدرت إلى بغداد ، ثم خرجت ، فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول ، إذا رجل يصيح : يا ملاح ، يا ملاح ، رجل منقطع . فقلت للملاح : قرب إلى الشط . فقال : يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك ، قال الوزير :
فلم يلتفت إليه ولقوله ، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد ، فلما حضر الغداء دعوته ، فكان يأكل أكل جائع بنهامة ، إلا أنه نظيف الأكل ، فلما رفع الطعام ، أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية ، فلم يفعل ، فغمزه الغلمان ، فلم يفعل ، فتشاغلت عنه ليقوم ، ثم قلت له : يا هذا ما صناعتك ؟
قال لي : حائك ، فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ، ما ألوم غير نفسي ، إذ لم أقبل ممن نصحني ، وصرت أواكل الحوكة [٣] . فقلت : توضأ يا أخي ، فتوضأ ، ثم قال لي : جعلت فداك :
قد سألتني عن صناعتي ، فما صناعتك أنت ؟ فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ، وكرهت أن أذكر الوزارة ، وقلت اقتصر على الكتابة . فقلت له : كاتب . فقال : إن الكتابة على خمسة أصناف : كاتب رسائل ، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل ، والصدور ورقيق الكلام ، والتهاني والتعازي ، والترهيب والترغيب ، والمقصور والممدود ، وجملا من العربية . وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير ، وشيات [٤] الدواب ، وحلي الناس ونعوتهم [٥] . وكاتب قاض ،
[١] الرقة : بلد على الفرات .
[٢] الخضم : الأكل مع ملء الفم ، وأكل الرطب ، والقضم أكل اليابس ، والمراد أنه يأكل خير الأهواز جميعه رطبا ويابسا ولا يترك من خيرها شيئا للدولة .
[٣] الحوكة : جمع حائك وهو خياط الثياب .
[٤] شيات الدواب : علاماتها .
[٥] نعوتهم : جمع نعت وهو الصفة أي أوصافهم .