الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٤ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
الناس بدعواهم ، لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم ، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " . قال الرشيد : ويحكم ، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك ، ولا إخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه . فأرسل إليه فأقبل . فقال هارون : يا أبا عبد الله ، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الإنكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية [١] . وتصديق قول من ادعى ، وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له ، فأخبر القوم ، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم ، فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك ، فقال مالك : يا أمير المؤمنين ، إن مما يصدق القسامة ما في كتاب الله من القتل ، والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل . قال الله عز وجل : " اضربوه ببعضها " فذبحت البقرة ، ثم ضربوه بعضو من أعضائها ، فحي القتيل ، ثم تكلم . فقال : فلان قتلني ، فقتله موسى ابن عمران عليه السلام بقوله ذلك ، وهو حكم التوراة ، فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، فالذين أسلموا : محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في المرجوم اليهودي الذي زنى ، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه . أن يهوديا لقى جارية من جواري الأنصار في بعض أنقاب [٢] المدينة ، وعليها أوضاع [٣] من ذهب وورق ، فأخذ الأوضاح منها ، وشدخ رأسها بين حجرين ، فأدركت الجارية وبها رمق ، فاتهم بها اليهود ، فأنى بهم ، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم ، حتى أتى بصاحبها الذي قتلها فعرفته . فقيل لها : هذا الذي قتلك ؟ فأومأت برأسها أن نعم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين ، فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء ، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء ، فقعوا منه بذلك ، وصاروا إلى الرضا بقوله ، والتصديق لروايته ، والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم . ثم قال له مالك : إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي ، وحدثنه بما حدثتك به في شأن أهل المدينة ، وما يصبرون عليه من البلاء ، وشدة الزمان ، وغلاء الأسعار ، صبرا على ذلك ، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال هارون : ذلك هو أبي وأنا ابنه ، وسوف أفعل ما فعل ، وأمر لأهل المدينة بعشرة أبيات مال ، ضعف ما أمر به المهدي ، وكان أبو يوسف
[١] التدمية : التسهيل وقبول الحلف بدل البينة وإلحاق الدم بمن ذكره المقتول .
[٢] الانقاب : جمع نقب وهو المكان المرتفع .
[٣] الأوضاح : جمع وضح بفتح الواو والضاد نوع من حلى النساء ، والورق بكسر الراء : الفضة .