الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤١ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
قلت : لم أرد هذا . قال : فما الذي تريد ؟ قلت توقعون بالولي وتحظون [١] العدو . فقال :
من يسعد بنا من الأولياء أكثر ، ومن يسلم معنا من الأعداء أقل ، إنما نحن بشر ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وربما استترت عنا الأمور ، فنوقع بمن لا نريد ، وإن لنا لإحسانا يجازى الله به مداواة ما تكلم [٢] ورتق ما تثلم [٣] فنستغفر الله بما يعلم ، وما أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك ، ومع الولي التعزز والإدلال ، والثقة والاسترسال ، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال ، وإنك لمسؤول يا أخا بني تميم . قلت : إني أخاف ألا أراك بعد اليوم .
قال : لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله . قلت . عجل الله ذلك ، ووهب لي السلامة منكم ، فإني محبكم . فتبسم وقال : لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة . قلت :
وما هي ؟ قال : قدح في الدين ، وهتك للملوك ، وتهمة في حرمة ، واحفظ عني ما أقول لك :
أصدق وإن ضرك الصدق ، وانصح وإن باعدك النصح ، ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه مخذول ، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة ، وتواضع إذا رفعوك ، وصل إذا قطعوك ، ولا تستخف فيمقتوك ، ولا تنقبض فيحتشموك ، ولا تخطب الأعمال [٤] ، ولا تتعرض للأموال ، وأنا رائح من عشيتي هذه ، فهل من حاجة ؟ فنهضت لوداعه فودعته ، ثم قلت : أوقت لظهور الأمر ؟ ومتى ؟ قال الله الموقت والمنذر ، فخرجت من عنده ، فإذا مولى له يتبعني ، فأتاني بكسوة من كسوته . وقال لي : يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه ، ثم افترقنا ، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان [٥] قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي لنبايعه . فلما نظر إلي : أثبتني : وقال للحرسيين : خليا عمن صحت مودته ، وتقدمت قبل اليوم حرمته ، وأخذت بيعته ، فأكبر الناس ذلك من قوله . ثم قال لي : أين كنت أيام أبي العباس أخي ؟ فذهبت اعتذر . فقال : أمسك ، فإن لكل شئ وقتا لا يعدوه ، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك ، وحق مشايعتك ، واختر مني رزقا يسعك ، أو خطة [٦] ترفعك ، أو عملا ينهضك .
[١] تحظون العدو : تجعلونه ذا حظوة وجاه .
[٢] تكلم : تجرح لأن الكلم الجرح .
[٣] تثلم : تفتق وتخرق .
[٤] تخطب الأعمال : تطلب لوظائف لنفسك .
[٥] حرسيان : شرطيان .
[٦] الخطة : الطريقة .