الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٢ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
فقلت : أنا لوصيتك حافظ . فقال : وأنا لها أحفظ ، إني إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك . فقلت : الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي .
فقال : وذلك أحب إلي لك ، وهو أجم لقلبك وأودع لك ، وأعفى إن شاء الله ، فهل زدت أحدا في عيالك بعد . وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه . فقلت : زدت الفرس والخادم ، فقال : قد ألحقنا عيالك بعيالنا ، وخادمك بخادمنا : ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال ، فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة ( ١ ) أو نزيدك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن شطرها ليحملني العامين . قال : فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت ، وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدي ، فإنه أفرغ لك مني ، وأرضاه لك إن شاء الله .
حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور ، واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة ، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة . فلما كان بمنى ، أتاه الناس يسلمون عليه ، ويهنئونه بما أنعم الله عليه ، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم ، وفقهائهم وعلمائهم ، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث . فكان فيمن دخل عليه منهم :
مالك بن أنس . فقال له أبو جعفر : يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا . فقال مالك : يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ، ويلهمه الرشاد من القوم ، ويعينه على خير الفعل ، فما رأي أمير المؤمنين ؟ فقال أبو جعفر : رأيت أني أجلسك في هذا البيت ، فتكون من عمار بيت الله الحرام ، وأحمل الناس على علمك ، وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم ، ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم ، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق ، إن شاء الله ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وأنت أعلمهم . فقال مالك : يا أمير المؤمنين أعلى عينا ، وأرشد رأيا ، وأعلم بما يأتي وما يذر ، وإن أذن لي أقول قلت ، فقال أبو جعفر : نعم ، فحقيق أنت أن يسمع منك ، ويصدر عن رأيك . فقال مالك : يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ، ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية ، وأما أهل مكة فليس بها أحد ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، كما قال الأمير ، وإن لكل قوم سلفا وأئمة . فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل . فقال أبو جعفر : أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها . فقال مالك : أجل يا أمير المؤمنين ، فأعفني يعف الله عنك .
فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين ، وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه .