الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٠ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
سلفك : وقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك . قال : فأحمد الله يا أخا تميم ، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا ، ويشقى ببغضنا من يبغضنا ، ولن يصل الأيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله ، ومهما ضعفنا عن جزائه قوي الله على أدائه . فقلت له : أنت توصف بالعلم ، وأنا من حملته ، وأيام الموسم ضيقة ، وشغل أهله كثير ، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها ، أفتأذن فيها جعلت فداك ؟ قال : نحن من أكثر الناس مستوحشون ، وأرجو أن تكون للسر موضعا ، وللأمانة واعيا ، فإن كنت على ما رجوت ، فهات على بركة الله .
فقدمت إليه من وثائق الإيمان ما سكن إليه ، فتلا قول الله - قل أي شئ أكبر شهادة ؟ قل الله شهيد بيني وبينكم - ثم قال : سل . فقلت : ما ترى في من على الموسم ؟ وكان عليه يوسف ابن محمد الثقفي ، خال الوليد بن يزيد ، فتنفس الصعداء ، ثم قال : عن الصلاة خلفه تسأل ، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول من ليس منهم ؟ قلت : عن كلا الأمرين أسأل . قال :
إن هذا عند الله عظيم ، أما الصلاة ، ففرض الله على عباده ، فأد فرضه عليك في كل وقت ، فإن الذي ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه ، وحضور جماعته وأعياده ، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك ، ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك ، فأسمح يسمح لك . ثم كررت عليه السؤال ، فما احتجت إلى أن أسأل عن أمر ديني أحدا بعده . ثم قلت له : يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون لكم دولة لا شك فيها ، تطلع مطلع الشمس ، وتظهر بظهورها ، فأسأل الله خيرها ، ونعوذ به من شرها . قال :
فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها . قلت : أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها ؟ قال : نعم ، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا لحقنا ، فننصر ويخذلون ، كما نصر أولنا بأولهم ، وخذل لمخالفتنا من خذل منهم ، فاسترجعت . قال : هون عليك الأمر ، سنة الله التي قد خلت في عباده ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم ، وحفظ أعقابهم فقلت : كيف تسلم لهم قلوبكم ، وقد قاتلوكم مع عدوكم ؟ فقال : نحن قوم حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا ، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا ، وإنما يشذ عنا منهم الأقل ، فأما أنصار دولتنا ، ونقباء شيعتنا ، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم معنا ، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسئ ، ووهب للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه ، فتذهب المثابرة ، وتخمد الفتنة ، وتطمئن القلوب . فقلت : ويقال : إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة . فقال : قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره .
( ١ ) أسمح : تجاوز وكن سمحا .