الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٢٤ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
يا أبا أيوب ، فقال له : ما عندي غير ولدي . فقال له : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إني لك من الناصحين . فخرج سليمان من ليلته هاربا ، فلحق ببعض نواحي الجزيرة وكتب إلى مواليه وصنائعه ، فاجتمع إليه منهم خلق كثير ، فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله ، فانهزم ذلك البعث ، ثم بعث إليه بعثا آخر ، فهزمه أيضا . قال : فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره ، ثم بعث إليه بعثا آخر ، فأسر سليمان وولده ، فأتى بهما أسيرين إلى أبي العباس ، فأمر ، فقطعت لهما خشبتان ، رقمتا إليهما ، فأمر بضرب رقابهما ، وصلبهما . فقال سليمان لولده :
تقدم يا بني على مصيبتي بك ، فتقهقر الغلام ، ثم تقدم فقتل ، ثم قتل سليمان ، وصلبا على باب دار الإمارة بالكوفة .
خروج السفاح على أبي العباس وخلعه قال : وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال : لما ولي السفاح الشام ، واستصفى أموال بني أمية لنفسه ، أعجبته نفسه ، وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبي العباس ، والتنقص له . فلما بلغ ذلك أبا العباس ، كتب إليه يعاتبه على ما كان منه ، فزاده ذلك عجبا وحسدا بما فيه ، فحبس الخراج ، ودعا إلى نفسه ، وخلع طاعته ، ثم قرب موالي بني أمية وأطمعهم ، وسد ثغورهم [١] ، وأبدى العزم ، وأظهره على محاربة أبي العباس ، فلما انتهت أخباره إلى أبي العباس ، كتب إلى أبي مسلم يستغيثه ، ويذكر عظيم يده عنده ، ويسأله القدوم عليه لأمر السفاح ، فقدم أبو مسلم ، فأقام عنده أياما ، ثم خرج إلى السفاح ومعه أجناده وقواده ، فلقى السفاح على الفرات فهزمه ، واستباح عسكره ، وأخذ أسيرا ، فقدم به على أبي العباس . فلما قدم إليه ، وأدخل عليه قال : يا عمي أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت ، وقد رأيت تعطفا عليك ، وصلة لرحمك ، أن أحبسك حبسا رفيقا ، حتى تؤدب نفسك ، ويبدو ندمك ، ثم أمر فبنى له بيت . جعل أساسه قطع الملح ، فحبسه فيه . فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول البيت ، فذاب الملح ، وسقط البيت عليه ، فمات فيه ، ورد أبا مسلم إلى عمله بخراسان ، فأقام فيها بقية عامه ، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على الموسم ، وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان .
اختلاف أبي مسلم على أبي العباس قال : وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم ، وكان فيهم الحجاج بن أرطاة الفقيه ، والحسن بن الفضل الهاشمي ، وعبد الله بن الحسين ، فلما توجه
[١] سد ثغورهم ، دافع عنهم ولم يترك أبوابا مفتوحة لإحراجهم .