الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٢٦ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
الثوب إن أنهج فيه البلى * أعيا على ذي الحيلة الصانع كنا نرقعها إذا مزقت * فانسع الخرق على الراقع وكان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطي طاعة لبني العباس ، وكان رأيه أن يدعو إلى محمد ابن عبد الله بن الحسين ، فاطلع على ذلك أبو العباس ، وخاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك . فكاتبهم أبو جعفر ، وقال في كتابه لهم : السلطان سلطانكم ، والدولة دولتكم ، وكتب إلى زياد بن صالح الحارثي بذلك وكان عامل ابن هبيرة في المدينة ، مكان عامله قبل ذلك على الكوفة ، فأجاب زياد بن صالح ، وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها . فلما كان مغيب الشمس قاموا إليه . فلما صلى المغرب ، ركب فطاف في مسالحه [١] وأبوابه ، فرجع عتمة ، فتعشى ، ثم صلى . فأقبل علي بن الهيثم فقال : والله ما أخلف غصة أعظم ولا أهم إلي منك ، لأنك مع هؤلاء ، ولست أدري ما يكون بعد اليوم ، وأرى الأمر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب ، ولكن إن لقيت أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الذي أعلمته من أمري . قال : ما أخاف تقصيرك ، ثم قال : لست أثق بولد ولا بغيره ، ثقتي بك فيما أريد أن أوطده ، تأخذ مفاتيح هذه المدينة ، حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة . فقلت : أنظر ما تصنع في خروجك ، أتثق بالقوم ؟ قال : نعم ، قد جرى بيني وبينهم ما أثق به ، وأتاني كتاب أبي العباس بكل ما أحب ، وكتاب أبي جعفر . فقلت : يا أبا الربيع ، أخاف أن لا يوفي لك . فلما أدهم [٢] الليل وانتصف قام فصلى ركعات ، ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه على أربعة بغال ، ثم أخرج أربعة غلمان له ، وابنه ثابت على برذون له ، ثم خرج وأغلق الباب . فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة بكى وقال : ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح ، وبعد إيثاري إياه ، وإكرامي وتفصيلي له ، وما صنعت به . قلت : هو هنالك ، والله خير لك منه ها هنا . قال :
وترى ذلك ؟ قلت : نعم . قال : ثم مشت الكتب والرسل بينهم أي بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن بلقاه ، ونهض ابن هبيرة إليهم ، وتخلى مما بيده لهم .
كتاب الأمان قال : وذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلي ، سعى في كتاب الصلح والأمان عند أبي جعفر ، حتى تم له ، فأتى ابن هبيرة ، وفيه : بسم الله الرحمن الرحيم ،
[١] المسالح : جمع مسلحة بفتح الميم واللام وسكون السين : الثغر وهو المكان الذي يكون عليه الحراس خوف دخول الأعداء .
[٢] أدهم الليل : اشتد سواده وإظلامه