رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٧٨ - الكاريكاتور
و في حدود خمسة عشر يوما بعد وصولي سقط كثير من الثلج. فكان ذلك مبهجا لي لأنّي لم أر مثل ذلك من قبل، فسطوح الدور و أعالي الجدر و الأسوار و المزارع و الجبال، أصبحت في غضون عدّة أيّام مبيضة بياضا باهرا، و كان البرد جدّ قارس و خشيت على صحتي الأذى، و لكنّي سرعان ما شعرت أنّ المناخ ملائم لي، فقد كان لي اشتهاء فائق، و ازددت قوّة، و فعالية كل يوم و إنّي لأتذكر أنّي حين كنت في الهند لم يكن عليّ إلّا قميص واحد من الموصلي من عمل «داكا» و كنت لا أمشي ميلا إلّا تعبت تعبا شديدا، و في إيرلندا و إن كنت مرتديا ملابس ثقيلة بحيث يمكن أن تكون حمل حمار [١] فقد طفت كثيرا من مواضعها دون أن أحس بأقل نصب و تعب. و في الهند كنت أنام اعتيادا سبع ساعات أو ثمانيا في اليوم من غير أن أحس براحة أو تبرّد، و لكنّي في أثناء الشهرين اللّذين سلختهما في إيرلندا كنت لا أنام البتة أكثر من أربع ساعات ليلا، و لم يكن لي مع ذلك توقان إلى النوم في أثناء النّهار.
إنّ البرد الّذي يعم هذه الجزائر، جدّ صحيّ، كما أحسب، إنّه يورث الجسم و العقل قوّة و نشاطا، و يجمّل النّساء و يبعث على تمرّن يساعد كثيرا على تقوية المزاج، و في أثناء إقامتي في إيرلندا و إنكلترا أصابتني غالبا، من غير أن ألحظ، ضربات، لو كنت في الهند لكانت سببا كافيا في إمراضي عدّة أيّام، و البرد يمنع الإيرلنديين من البقاء عاطلين، ثمّ يحدوهم ذلك البقاء على ارتكاب الرذائل، فالشبان و الشابات هم بريئون في سن الخامسة عشرة كبراءة الصبيان و الصبايا في الهند في سن الخامسة أو العاشرة، فكل رغباتهم و رغباتهنّ في اللعب أو الكعك. و هذا الشعب قد هيأت له برودة الجوّ أيضا فضّل ارتداء الملابس الضيّقة جدا الّتي تمنعهم من الاسترسال إلى البلادة و الكسل كالهنود الّذين يقضون النّهار غالبا في الراحة و لذّات الشهوات و يقصرون اللّيل على الشؤون و الولائم.
إنّي أخشى أن لا يصدق مواطني بما قصصت لهم و عليهم، فيتفق غالبا في
[١] سيعيب الرحالة هذا التدثر و هذا الإكثار من الملابس و هذا التشبيه على الأتراك كما سترى فيما يأتي. (المترجم).