رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٧٨ - أبو طالب في النجف
موضع موقوف على مجد النبي ٦ غاية في الخطأ و يدلّ على جهل ذرّيّته الفاحش. و في دخولي إلى الضريح عرتني رهبة قدسية، و ارتعش جميع أعضائي [١] و مع اعتمادي على أربعة أشخاص إذ ذاك قاسيت مشقة كبيرة في قضاء مناسك الزيارة. و في تلك الهنيهة وصل أعرابي ذو لحية بيضاء، لم يمر عليها المشط طوال عمرها، و هي مسترسلة حتّى حزامه و عليه قميص غليظ، و على خصره قطعة من الجوخ رعقباه مستقشران [٢] يدلان على أنّه جاء من سفر بعيد، فدخل غير ملتفت إلى أحد، و بدلا من أن يصلي الصلاة المقررة دينا صاح «يا أبا الحسين (السلام عليك [٣]) و مع ما فعل من سوء الأدب الظاهر كان إيمانه حيّا قويا جدا بحيث كانت دموعه تجري على و جنتيه، و قد ظننت بادئ ذي بدء أنّ أبا الحسين أحد أصحابه، و أنّه كان نائما عند الضريح و أراد إيقاظه، فلما تأملته حاق التأمّل حسدته على همته في الإيمان، و لم أشك في أنّ دعاءه أقبل عند اللّه تعالى من دعائي، و على مسافة قليلة من المشهد مقامان كبيران موقوفان على ذكرى زين العابدين بن الحسين و صفوة الصوفة [٤] و لكن الأتراك في جيش الموصل الّذين جاؤوا في الزمن الأقرب للمحافظة على النجف من هجمات الوهابيين قد دنسوا هذه المواضع المقدّسة بكل ضرب من الدنس [٥].
و حافظ المشهد و هو حاكم النجف يدعى «ملا محمود» و كان رجلا محترما لمعرفته و تقواه، و قد أوصلت إليه كتابا من باشا بغداد فراعاني أعظم مراعاة، و أعدّ لي مثوى قريبا من المشهد و خدّاما يخدمونني، و أراد أن
[١] انقلب أبو طالب هنا صوفيا. (المترجم).
[٢] المستقشر: ما حان له أنّه يقشر. (المترجم).
[٣] هذه الزيارة من الشرح الّذي في الرحلة. (المترجم).
[٤] لم تتضح لي حقيقة هذه الاسم و لعلّه أراد صفوة الصفوة. (المترجم).
[٥] قال الشيخ ياسين العمري في كتابه الدر المكنون في حوادث سنة ١٢١٨ ه: «و فيها قبل خروج هذا الوزير المعظم (علي باشا) من بغداد أرسل والي الموصل الوزير محمّد باشا الجليلي مائتين و خمسين رجلا من أهل الموصل لمحافظة مشهد الإمام علي- رض- فساروا إلى بغداد و أرسلهم الوزير المؤيد علي باشا إلى المشهد و أمرهم باليقظة و التحفظ و كذا أرسل إلى جميع عرب البصرة يأمرهم بالتحفظ من غدر الخائن الوهابي» (نسخة باريس، و ٣٣٣، ٣٣٤).