رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٩٢ - أبو طالب في بومباي
أعلمني بعض الخدم بأنّ الحاكم قد لبس ملابسه و أنّه ينتظرني للتصبّح [١] معه، فدخلت عليه في الحال و قدّمت إليه واجب الاحترام، فتلقّاني بأحب أساليب التلقّي، و هنأني على رجوعي الميمون، و رجا منّي أن أزوره غالبا في أيّام مكثي ببومباي، و إذ كانت داره مكتظة بالضيوف كلّف وكيله أن يستأجر لي مثوى في جواره ثمّ لم نكن أتممنا تصبّحنا حين قيل إنّ المثوى قد أعدّ لي، و أمر دامت سيادته أيضا خدامه أن يحصلوا لي على جميع ما أحتاج إليه، و أضاف إلى ذلك أنّه يأمل أن يراني كل يوم أتصبّح عنده و أتغدّى، ما لم أكن مستجيبا لدعوة من الدعوات، فما أعظم الفرق بين هذا الاستقبال و الّذي وقع لي بالبصرة؟ و دعاني في ذلك اليوم نفسه لمصاحبته إلى دار صديقي عبد اللطيف خان و هي على مسافة قليلة من المدينة، و إذ كان مجيئي إلى بومباي ابتغاء أن أراه لم أرفض دعوته و لكني خشيت أن يسوء ذلك الحاكم فأوضحت له حالي، فقال لي: «اذهب و تمتع بالاجتماع مع أصحابك فإنّ دعتك شؤونك أو مسرتك إلى المدينة فجيء إليها و أحضر مائدتي في كل جيأة». فشكرت له ذلك شكرا كثيرا و ذهبت مع الصديق.
و جزيرة بومباي تقع بين الدرجة ١٨ و الدرجة ١٩ من خطوط العرض الشمالية و هي مشهورة بعذاوة مناخها، و عذوبة مائها، و أشجارها تثمر من الفواكه بما تثمر به سائر بلاد الهند و لا سيّما الأنبج [٢] اللذيذ، و جميع الإنكليز يسكنون في قلعتها، و منازلهم عالية ذوات أربع طبقات و مبنية بالآجر، و لها أبواب و شبابيك مزوّقة و سطوح مغطاة بالقرميد على طريقة الأوروبيّين في التغطية، و ليس فيها دار يستطيع الإنسان أن يوازن بينها و بين أحقر دار في «شورينغي» إحدى محلات كلكتا، و سكانها كلهم بالتقريب إنكليز و فارسيس [٣] و برتغاليون و هندوس. و الفارسيس من سلالة الكبريّين
[١] من معانيه أكل طعام الصباح و هو التصبيح. (المترجم).
[٢] هي الفاكهة المعروفة عندنا بالعنبة و يؤتى إلى العراق بمخللاتها فقط من الهند، و تسمّى في مصر «مانكو» و كذلك في لبنان و هو مختصر الاسم الأوروبي مانكرستان، و قد ذكرها ابن بطوطة في رحلته. (المترجم).
[٣] هم مجوس الفرس و قد زحفوا الآن إلى غرب بلاد الهند باعتداده موطنهم الأصلي.
(المترجم).