رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٧٢ - الوهابيون
إلى هدم القبور. و القبر النبوي و ترب الأئمّة و الأولياء و الأصحاب، و قد حصل بهذا التلصّص و هذه الغارات على أموال عظيمة، و لم يمت إلّا و له سلطان عظيم جدا. و خلفه ابنه محمّد في الأمر، و لكنّه كان أعمى فلم يخرج قط و تلقب بلقب «الإمام» و الحبر الأعظم، و كان رجل اسمه عبد العزيز عونا له و هو ابن متبنّى لجدّه و كان هذا رجلا عملاقا ذا صوت رهيب، و مع بلوغه ثمانين سنة من العمر كانت له قوّة الشبيبة، و قد أكّد أنّه لن يموت حتّى يدخل جميع العرب في دين الوهابيين، و كان يذهب في كل أسبوع مرتين ليتلقى الأوامر من محمّد بن عبد الوهاب، و يرسل جيوشا كثيفة إلى جميع الأنحاء، فأصبحت هذه الجيوش راعية رهيبة حتّى ليقال إنّ جزيرة العرب كلها قد خضعت الآن لها. و الوهابيّون يجلّون رؤساءهم إجلالا حملهم على أنّهم قبل السير إلى القتال يستجيزونهم أجوزة إلى الجنّة، و يعلقونها في أعناقهم، ثمّ يزحفون إلى العدو بأكبر ثقة و اعتماد.
و مع سطوتهم و أموالهم الجمّة الوفيرة الّتي حصلوا عليها تظهر عليهم ساذجيّة الأخلاق المفرطة، فعدّة تمرات تكفي في تغذّيهم ورداء واسع من قماش غليظ يكسوهم سنتين أو ثلاثا، و يكون فوق ذلك فراشا لهم، و خيلهم نجدية الأصل، و لا يخرجون منها إلى غير بلادهم أبدا، و ينفقون جميع أموالهم المحصّلة على إعداد جيش يقدرهم على تنفيذ خططهم الّتي هي أجرأ الخطط، و قد استولوا على جميع جزيرة العرب ما عدا مسقط و مكة و المدينة [١]، و قد تفادوا زمنا طويلا من الهجوم على هاتين المدينتين المقدّستين احتراما لبيت اللّه و لصلتهم الحسنة بشريف مكة، و كان قد انتقل إلى دينهم، و من أجل ما كانوا يأخذونه من الحجّاج من ضريبة. و لكن عبد العزيز أرسل أخيرا بسبب تحريض الأتراك له، جيشا مع ابنه سعود إلى
[١] قال الشيخ ياسين العمري في كتابه غرائب الأثر- ص ٧٠- في حوادث سنة ١٢٢٠ ه: «و فيها حاصر المدينة المنوّرة ابن سعود الوهابي شهرين فأطاعوه من شدّة الجوع فدخلها و هدم القباب الّتي على قبور الصحابة الكرام و لم يدع إلّا قبّة الحجرة النبوية و ترك من علمائه اثنين في المدينة يرشدان النّاس إلى الضلال- قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون- و لما قدم الحاج إلى مكة و نزلوا على المدينة أغلقوا دونهم الباب فحاصرهم أمير الحاج عبد اللّه باشا أيّاما ثمّ خرج ضابط الحرم إلى عبد اللّه باشا و اعتذر من بغي الوهابي و شدّة الجوع».