رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٤٣ - أبو طالب يغادر القسطنطينية
هذه القرية دار بريد كان هذا الرئيس يطعم المسافرين المتميزين و يسكنهم مجانا، و لكنّه حسن التذرع في الوصول إلى الحصول على أجرة هذا السخاء، و ذلك بالكراء الفاحش الّذي يستوفيه في إكراء خيله. و قرية «آيزأوغلي» قائمة على ضفة النهر، و مع هذا فقد لقيت مشقة في الحصول على الماء و اضطررت إلى السفر بالصبيحة من غير أن أستطيع غسل وجهي و يدي.
و في اليوم التاسع و العشرين ركبنا الخيل، و بعد مسيرة ستة عشر ميلا دخلنا في أرض كثيرة الجبال، و كان الطريق في عدّة مواضع جدّ متحدر بحيث كانت السّروج تزحل مرة أمام و مرة خلف، و قد فقدت كساء فوقانيا فاخرا كنت علقته بسرج فرسي. إنّ فقداني ذلك الكساء أثر في جسمي لأنّي قاسيت شدّة عدّة أيّام من البرد و المطر. و وصلنا ليلا إلى «خربوط [١]» على مسافة نحو من ثمانية و ثمانين ميلا من «آيزأوغلي» فوجدنا فيها دارا فاخرة للبريد و قدم إلينا فيها غداء نفيس، و قد أردت التوقف في هذا الموضع لقضاء اللّيل، و لكن دليلي الفظ الغليظ القلب أصرّ على ضرورة أن تبلغ منزلة أخرى، فسافرنا تحضر خيلنا حتّى منتصف اللّيل في طرق و عرة، حتّى توقفنا في خرائب خان في وسط الجبال، و في هذا القسم من مسيرتنا مررنا بالقرب من بحيرة ملحة دورها ثمانية و أربعون ميلا و هي عميقة في عدّة مواضع منها، و إذ كان الطريق الّذي كنّا سالكيه ممهودا بموازاة طول تلك البحيرة و الصخور الّتي تطيف بها كنّا مضطرين غالبا أن نخيض خيلنا الماء غالبا حتّى بطونها، بحيث لو لم تكن لحسن حظنا، خيرا من الخيل الّتي يعدونها لنا اعتيادا لكبت و سقطت من غير شك.
و في آخر يوم من شعبان (سنة ١٢١٨ ه [٢]) بلغنا «أركانه» بعد مسيرة مقدارها اثنان و ثلاثون ميلا و المسافة بين خرتبرت و بينها أربعة و ستون ميلا، و كان الطريق شاقا جدا، لأنّه كان يجب علينا أن نمر دائما بين الجبال، و كان أحدها يدعى الجبل المقبب لارتفاعه، و فيه عدّة معادن للنحاس،
[١] هي خرتبرت في جغرافية العرب و لها اسم عربي هو حصن زياد. (م).
[٢] يوافق آذار سنة ١٨٠٢ م. (المترجم).