رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٤٢ - أبو طالب يغادر القسطنطينية
في تجنب الأخطار لم أسلم من أن أكون مع رفقاء مسئمين و بين ناس حبّ التدخل في أمور غيرهم يدفعهم إليّ حيثما استرحت، فيأتون يدخنون بسبلهم بإزائي بهدوء و سكون.
و في اليوم السابع و العشرين بكرة وصلت إلى «ملطية» بعد مسيرة مقدارها اثنان و ثلاثون ميلا، و في حوالي هذه المدينة لحظنا أنّ الفراسخ معينة بما يفي بالتعيين من الحجارة المتخذة صوى و هذه العادة تتيح بالتأكيد للمسافر تخفيفا من مشقته، و ملطية مدينة كبيرة و لكنّها قذرة و مستوحلة، و يجب أن تعزى هذه القذارة إلى عادة أهل البلاد من عدم تبليط الشوارع، و إذ كانت دار البريد مقززة للنفس كل التقزيز فضلت أن أبيت في دار متسلم أي مدّعي الإسلام [١]، و كان شيخا كبيرا ظاهر العبوس طول الحيته قدم و نصف قدم في الأقل، و بينما كنّا نتحادث معا اجتمع حولي أطفاله، و أذكر عرضا، أنّهم كانوا صباحا جدا، و أخذوا يضحكون من هيأتي و طريقتي في الكلام، فغاظ فعلهم الشيخ و ضرب منهم أفرادا و طرد الكلّ، و مثل هذه القسوة آلمتني لأنّ الثرثرة البريئة لهؤلاء الأولاد الصغار أبهجتني أكثر من حديث المتسلم البارد الجافّ. و لم ينقطع المطر طول ذلك النّهار و قد علمت أنّ قليلا من الثلج يسقط في هذه النواحي، و إن لم يكن مثل ما على الجبال الّتي بين هذه المدينة و ماردين. أمّا في بغداد و الموصل فلم يرقط نزول ثلج [٢].
و باليوم الثامن و العشرين غادرنا ملطية و بعد أن قطعنا مسافة ثمانية و عشرين ميلا وصلنا إلى ضفاف الفرات، و في هذا الموضع ينبع هذا النهر من جبلين بجرية شديدة جدا، و مجراه عميق جدا أيضا، و سايرنا مجراه قليلا فوصلنا إلى قرية صغيرة من كردستان تسمّى «آيزأوغلي» و بان لي أنّ رئيسها أفخر إنسان و أشد حمقا ممّن لاقيت من الحمقى، و إذ لم يكن في
[١] أخطأ أبو طالب- رح- في هذا الشرح و غره ظاهر اللفظ مع أنّ «المتسلم» كلمة عربية استعارها الأتراك لمن يتسلم البلدة أو المدينة غالبا إلى أن يأتيها و اليها و سيكرر أبو طالب هذا الوهم في كلامه على سفره إلى سامراء. (م).
[٢] قال أبو طالب بما لم يعلم فالثلج يسقط ببغداد نادرا. (المترجم).