رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٠٨ - إبحار أبي طالب إلى مالطة
فرجعت إذن إلى القارب، و لكن النوتي صوّر لي حال الرّبان ريشارد بصورة رهيبة حتّى لقد صممت أن أطيل انتظاري في ليفورن حتّى تحين فرصة أخرى للسفر، و أعدت ثقلي و متاعي إلى مثواي في ليفورن، و سكنت فيه عودا على بدء. و لما عاد الرّبان إلى سفينته أرسل إلى نوتي القارب يستعمله ما صار إليه أمري، فلما علم أنّي رجعت إلى ليفورن ركب زورقا و جاء إليّ، فلقي في طريقه صديقي «داربي» فصحبه إلى مثواي و استحثني على الإرسال بثقلي إلى سفينته «السعيدة» أوروز، فوافقت على ذلك. و في اليوم الحادي و العشرين من شهر ربيع الآخر (سنة ١٢١٧ ه) الموافق بالتقريب اليوم العشرين من آب (سنة ١٨٠٢ م) غادرنا ليفورن بالفجر.
إبحار أبي طالب إلى مالطة
و قد عرضت على الرّبان «ريشارد» كتب التوصية الّتي زوّدنيها وزراء جلالة ملك إنكلترا إلى القناصلة و السفراء الإنكليز في مختلف دول أوروبا، فلما رآها لم يشك في تعلّقي بالدولة البريطانية، و عاملني معاملة الأخ لأخيه، فكانت هذه السفرة من ألطف السفرات الّتي سافرتها، و بعد أيّام قليلة جاوزنا جزيرة «كورسة» و بعيد ذلك جزيرة «سردينيا» و لها حاكم مستقلّ، و مررنا بإزاء صقلية أكبر جزء البحر المتوسط و هي في طاعة ملك نابل، و خصبها يجعلها الهري [١] الوافر الغلة لجزيرة مالطة، و لم نر في سفرتنا هذه شيئا يستحق الذكر. و في اليوم الأوّل من أيلول [٢] (سنة ١٨٠٢ م) رست السفينة في ميناء مالطة.
و هذه الجزيرة المشهورة في التاريخ العربي ولد فيها عدّة فلاسفة قدامى، و لما طرد النصارى من أورشليم «القدس» أعطى البابا و ملوك أوروبا جزيرة مالطة مذهبا دينيا عسكريا يدعى رئيسه «السيّد الأعظم». و هؤلاء المتدينون بالنصرانية أكثرهم أغنياء جدا و من سلالة الأشراف فاستعملوا
[١] الهري بضم الهاء، و تسكين الهاء: البيت الكبير الّذي يجمع فيه القمح و نحوه و جمعه أهراء و هو كالسايلو في عصرنا. (المترجم).
[٢] يوافق أوّل جمعة من جمادى الآخرة سنة ١٢١٧ ه. (المترجم).