رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٨٤ - أبو طالب في فرنسا و باريس
الأخرى ثمّ وقفتني التجارب على أنّ المعيشة في فرنسا و في إيطاليا أغلى منها في إنكلترا بكثير. و قد أنعمت نظري آنفا و بينت أنّ مظهر باريس يفوق مظهر لندن، و كذلك الأمر في الدور فهي عالية جدا و مزينة بتزيينات نادرة ذات فوق وروق و لكن دواخلها ليس فيها ما بظواهرها من مواءمة الذوق و الروق، و من نظافة كما هو الحال في دور لندن.
و لذّات الحياة تكون من امتلاك شيئين في العموم، أحدهما مسكن نظيف و موائم ملائم و هذا ما يبحث عنه الأجنبي في باريس من غير جدوى، و الآخر مائدة عليها أطايب الألوان [١]، و ألاذ [٢] الأنبذة، و قد حرمت هذه المتعة و هذه اللذاذة، بأساليب الطبخ الفرنسية المضادة لذوقي كل الضّداد.
فالفندق المعتنى به ذو الثماني الطبقات المحتوي على خمسين أو ستين ساكنا و ساكنة ليس له إلّا مدخل واحد و صحن واحد، و بهذا يستطيع الإنسان أن يذكر رأيه بسهولة في الجلبة و الوساخة اللتين تحدثان من اجتماع كاجتماع هؤلاء الكثيرة عدتهم في موضع مقصور محصور كهذا الفندق.
و ليس لهم عادة بتعليق جريس بكل مثوى من مثاوي الفندق، و لقلّة الخدام فيه بالنسبة إلى من يسكنون، لا يأتي الخادم الغرفة إلّا مرّة واحدة في اليوم أعني أنّه يأتيها عند ما يصلح فراش السرير، و لذلك ينبغي للإنسان الّذي يريد أن يخدم خدمة حسنة أن يستأجر خادما لنفسه خاصة. و المواقد في فرنسا و سخة في الغالب و مهملة، و هي بالعكس ممّا في إنكلترا، فالموقد عند الإنكليز يعد بحسب العادة زينة للبهو، و أنا أرى أنّ نارا مدفئة من فحم حجريّ خير من طاقات جميلة من اللورد.
إنّ باريس منارة بفوانيس تعكس النّور، و لكن المسافات الّتي تفصل بينها تجعل نورها ضئيلا جدا، بالنسبة للمشاة القصار النظر، الّذين يحتاجون إلى نور يقدرهم على المشي بلا أذى يصيبهم من الطريق، و ليس للشوارع أرصفة و لا أطورة، و حجارة التبليط مفروشة عليها كلها بحيث تضطر العربات الّتي لا ينقطع تلاقيها أن تماس الدور في سيرها، فالمشاة
[١] يظهر لنا أنّ أبا طالب كان نهما أكولا فقد أكثر من ذكر الطعام و الطبخ و المطابخ. (المترجم).
[٢] ألاذ جمع ألذ و قد جمعناه ليوازن «أطايب». (المترجم).